هي مجنونة!” مامي صرخت في المحكمة بصوت كأنه بيقطع كل حاجة حواليها
هي مجنونة!” مامي صرخت في المحكمة بصوت كأنه بيقطع كل حاجة حواليها. كل العيون اتجهت علينا، وأنا فضلت ساكتة… ساكتة ومركزة.
القاضي، القاضية مريم عبد الله، بصت لمامي بعينين جامدين وسألت بصوت هادي بس مسيطر:
“إنتِ فعلاً مش عارفة هي مين؟”
محاميها محمود ناصر اتجمّد. وش مامي ابيض قدام الكل.
“استني… إيه اللي قولتيه دلوقتي؟” قالت القاضية وكأن الكلمة دي سكين.
الجو في القاعة كان مش طبيعي: ريحة الورق القديم والمطهرات، صوت المكيف اللي بيزمجر، وضغط الصمت اللي يخلي أي خطوة غلطة كبيرة. سامر، أخو زوجها، قاعد وراها في بدلة رخيصة، ضام ضروسه، بيحاول يبان كضحية… وهو الراجل اللي قبل شوية صفعني في عيادة النساء لدرجة كسّر ضلوعي. الغرز كانت لسه جديدة… والإهانة كانت قدام الكل.
وفاطمة، مامي، بتقف قدامي، بتحاول تحوّل وجعي لدليل إني “مش طبيعية”.
أنا فضلت ساكتة.
مش خوف… لأ. السكات دلوقتي كان سلاحي. كل كلمة ممكن تبصم على جهلهم بحقي. كل دمعة ممكن تتحوّل ضدي. السكات… استراتيجية.
محاميتي، سارة جمال، قاعدة جمبي هادية ومرتبة، إيديها متشابكة على ملف مليان دليل: فيديو العيادة، إفادات الشهود، تقارير طبية، أمر حماية، رسايل سامر المهددة. القاعة كلها ساكتة، وكل عين على كل حركة.
وفاطمة تبدأ في كلامها، تشير لي بإيديها:
“سيد القاضي، هي كده من زمان! مجنونة! درامية! دايمًا بتعمل مشاكل! ابني حاول يساعدها وهي… حولت ده لجريمة!”
بس القاضية مريم عبد الله
محاميتي، سارة جمال، قاعدة جمبي هادية ومرتبة، إيديها متشابكة على ملف مليان دليل: فيديو العيادة، إفادات الشهود، تقارير طبية، أمر حماية، رسايل سامر المهددة. القضية بقت مش بس عن الضرب. بقت عن التهديد والمضايقة ونظام العيلة اللي علّمني أقبل الإساءة على إنها “عادية”.
مامي أشارت لي بطريقة درامية. “سيد القاضي، هي كده من زمان!” قالت. “مجنونة. درامية. بتعمل مشاكل في كل حتة. ابني حاول يساعدها وهي… هي حولت ده لجريمة!”
القاضية، مريم عبد الله، ما اتفاعلتش زي ما مامي متوقعه. ما اتنهدتش، ولا تعاطفت. قعدت تتقدّم شوية وبصت لمامي بنظرة جامدة خلت الجو كله يبرد.
“ست فاطمة،” قالت القاضية بهدوء، “إنتِ بتقولي إن بنتك عندها مرض عقلي خطير؟”
“ابنة الزوج!” قطعت فاطمة بسرعة، كأنها عايزة تبتعد عن الكلام.
القاضية ما رمشتش. “تمام، ابنة الزوج. عندك أوراق طبية تثبت الكلام ده؟”
فاطمة ترددت، وبعدين لوّحت بإيديها كأن الأوراق دي مش مهمة. “الكل عارفها!” قالت. “مزاجها. عدم استقرارها. دايمًا بتلعب دور
سارة ما قاطعتش. بس سلّمت ورقة من الملف على طرف الترابيزة، جاهزة.
عيون القاضية ضاقت. بصت لمحامي فاطمة، محمود ناصر، الراجل اللي دخل المحكمة واثق من نفسه، وبدأ يتقلص من ساعة ما الفيديو اتعرض كدليل. “المحامي،” قالت القاضية، “عميلتك بتعمل ادعاء خطير. لو ناوي تستخدم الصحة العقلية كعامل، لازم تجيب دليل حقيقي، مش كلام فارغ.”
محمود ابتلع ريقه. “نعم، سيدتي القاضية.”
فاطمة اندفعت تاني، مش قادرة توقف. “هي خطيرة!” أصرت. “مش لازم تثق في قراراتها. ماينفعش—”
القاضية رفعت إيديها. “كفاية.” قالتها مش بصوت عالي، بس بنبرة توقف أي نوبة غضب. بعدين بصت لفاطمة، كأن الكلام الجاي سكين. “إنتِ فعلاً مش عارفة هي مين؟”
الكلام في الأول ماكنش واضح. شفت وش فاطمة يتغيّالقاعة فضلت ساكتة… كل حد كان حاسس إن اللي حصل ده بداية النهاية لألعاب السيطرة اللي مامي حاولت تعملها طول حياتي.
أنا قعدت وظهري مستقيم، عيني على القاضية، وكل مرة مامي تحاول تتحرك أو تكلم حد، كانت القاضية توقفها بنظرة. سامر حاول يتهيج، بس الفيديو اللي اتعرض وكلام الشهود كان ضده، وماكنش في أي مخرج ليه.
سارة محاميتي سلّمت مستندات تانية: رسائل تهديد سامر، الشهادات الطبية اللي تثبت إصابتي في العيادة، وفيديوهات تبين تصرفاته العدوانية. القاضية بصت لكل المستندات دي بعينين حادّتين وقالت:
“كل دليل هنا واضح. العدوان، التهديد، محاولة التلاعب… ده مش مجرد سوء تفاهم. ده إساءة
فاطمة حاولت تقاطع: “بس… هي—”
القاضية رفعت إيديها: “كفاية. الكلام الكتير مش هيغيّر الحقيقة.”
مامي وقفت ساكتة… كانت خايفة لأول مرة في حياتها، ووشها ابيض. سامر اتصبّر، لكن كان واضح إنه مش فاهم الموقف دلوقتي.
أنا أخدت نفس عميق، وبصيت للقاعة كلها: الشهود، المحامي، القاضية… حتى سامر ومامي.
قلت بصوت ثابت:
“أنا مش مجنونة. أنا ضحية حد حاول يدمر حياتي. وكل اللي حصل ده مش هينسيني حقي. الحقائق قدامكم، وأنا هنا علشان أضمن حقي.”
القاعدة كلها فضلت ساكتة. صوت الكاميرات يرنّ بس، والكل متابع.
القاضية مريم عبد الله رفعت الورقة اللي فيها الحكم المبدئي وقالت:
“بعد مراجعة الأدلة والشهادات، المحكمة بتأكد إن التهديدات والعنف حصلت بالفعل. سيتم تنفيذ أوامر الحماية، وسيتم متابعة أي تصرف من أي طرف يهدد سلامة الطرف التاني.”
مامي حاولت تعمل أي حاجة، أي حركة دفاعية، بس كانت خلاص بدون تأثير. سامر كمان… فهم أخيرًا إن القوة مش مع اللي بيصرخ أو اللي بيهدد… القوة مع الحقائق.
أنا حسّيت بارتياح غريب. سنة كاملة من المعاناة، من الإهانات، من الكذب والتشهير… كلها اتقلبت ضد اللي حاول يسيطر عليّ.
سارة ابتسمت لي وقالت:
“أخيرًا، العدالة حصلت.”
أنا بسّمت بصوت هادي، بس الابتسامة دي كانت أقوى من أي صرخة:
“دي مش النهاية… دي البداية لحياتي.”
وفاطمة ومامي؟ وقفتوا قدام الحقيقة، مش قدام لعبة التحكم بتاعتهم… ولأول مرة… كانوا شايفينني زي ما أنا: