بنتي كانت قاطعة فرامل العربيه
بنتي كانت قاطعة فرامل العربية. ولما العربية اتزحلقت من فوق الجبل، ربنا نجّانا بس عشان اتعلّقت في شجرة طالعة لوحدها من الصخر. كنت هصرّخ وأنده على حد، بس جوزي همس بصوت مكسور:
"اعملي نفسك ميتة.. ما تنطقيش."
من الزجاج المكسور، سمعنا صوت بنتنا وهي بتكلم الإسعاف، بتعيط وبتتوسل لهم يجوا ينقذونا… كإنها مش هي اللي عملت كل ده.
إيد جوزي كانت بترتعش وهو ماسك إيديا، وصوته بيتكسر: "أنا آسف… كل ده ذنبي."
عمري ما تخيلت إن بنتي، إيميلي، تبقى قادرة تعمل اللي عملته الصبح ده. الفرامل بازت فجأة وإحنا ماشيين على طريق جبلي، والعربية طارت ناحية الحافة. حسيت الدنيا بتقلب بيا… لحد ما شجرة عنيدة طالعة من الجبل مسكتنا بدل ما نقع مئات الأمتار.
كنت مرعوبة، والزجاج المكسّر مرشوق على رُكَبِي. جوزي، دانيال، كان دماغه بتنزف ومائل على الكرسي، بس لسه صاحي. أول حاجة فكرت أعملها إني أصرخ وأطلب النجدة. بس أول ما فتحت بقي، مسك إيدي بكل قوته اللي فاضلة.
وقال بهمس مرعوب: "اعملي نفسك ميتة… ما تتكلميش."
اتجمدت.
"إيه؟ ليه؟"
قبل ما يلحق يجاوب، سمعنا حد ماشي فوقينا على الزلط.
وبعدين… الصوت اللي جَمّد الدم في عروقي.
صوت بنتي.
كانت واقفة عند الشباك المكسور، صوتها بيتهز وهي بتتكلم في الإسعاف:
"لو سمحتوا… أبوس
صوتها كان صادق ومرعوب… كأنها فعلاً بنت مذعورة وبتصرخ عشان تنقذ أهلها.
لو ماكنتش عارفة إن الفرامل مقطوعة، كنت صدقتها.
دموعي نزلت، وبصيت على دانيال.
ماكانش بصص على إيميلي… كان بصص ليّا.
بنظرة فيها انكسار وندم وخوف.
إيده شدت على إيديا وهو بيهمس: "أنا آسف. اللي حصل ده… ذنبي."
الكلام وقع عليّا زي الصدمة.
هو يعرف إيه؟
عمل إيه؟
ولا ماعملش إيه… وخلى اللي وصلنا هنا يحصل؟
وإيميلي لسه فوق، بتمثّل انهيارها قدام الإسعاف… وأنا كل جزء فيّا بيصرخ إني أقوم أو أتكلم أو أعمل أي حاجة.
بس دانيال ما سابش إيديا.
وصوته ما اهتزّش.
"خليكي مكانك… ما ينفعش تعرف إننا لسه عايشين. لسه… لأ."
وعلى قد ما الكلام ده مرعب…
كان في إحساس جوايا بيقول إنّه صح.
في حاجة أكبر…فضلنا متجمدين في مكانا، نسمع صوت إيميلي وهي بتنهار وتعيّط فوق كإنها ملاك مكسور…
بس كل دمعة فيها كانت كدب.
كنت حاسة بنفَس دانيال بيقلّ.
والنزيف من دماغه بيكتر.
قهرتني الفكرة إني أقعد ساكتة وبنتي فوق بتمثّل دور الضحية…
بس جوزي شد إيديا أكتر، وهمس بصوت بيقطع القلب:
"لو عرفِت إننا لسه عايشين… هتخلص علينا بإيدها."
الكلام نزل عليّ زي الطعنة.
بس… كان عنده حق.
اللي تقطع
وفجأة، سمعنا صوت دورية الشرطة بتقرب.
إيميلي بدأت تعيط أكتر، وتصرخ:
"انقذوهم! لو سمحتوا! أنا سمعت صوت ارتطام!"
دانيال قال لي بسرعة وهو بيحاول ينطق:
"اسمعيني كويس… الموضوع مش زي ما أنتي فاكرة."
قربت ودني منه، وقلبي بيخبط في صدري.
"أنا السبب… عشان أنا اللي دبّحت حلمها."
اتجمدت.
“حلم مين؟ إيميلي؟”
غمض عينه بألم وقال:
"كنت فاكر إني بحميها… بس طلّعت بهدمها."
قبل ما يلحق يكمل، سمعنا صوت خطوات بتنزل ناحيتنا.
إيميلي كانت واقفة عند حافة الطريق…
والدموع اختفت فجأة.
وشها اتقلب.
برود.
فراغ.
نظرة بتقول إن مفيش ولا ذرة رحمة.
ولما شافت رجال الإسعاف لسه بيدوّروا حوالين الحافة، بصت بسرعة لتحت…
على العربية…
علينا.
ووشها اتشدّ بعصبية.
هي كانت متأكدة إننا المفروض نكون ميتين.
غابت لحظة…
وبعدين جريت تصرخ:
"ههههنا! هنا! في العربية! بس… لا تتحركوا! شكلهم…"
بس قبل ما تكمل، حصل اللي محدش كان متوقعه.
الشجرة اللي كانت ماسكة العربية…
اتحركت.
اتكسرت من طرفها.
حسّيت العربية بتميل.
صرخت:
"دانيال!!"
رجال الإنقاذ صرخوا:
"امسكوا الحبال!"
وإيميلي…
إيميلي وقفت ثابتة.
ولا حتى رفعت إيدها.
رجالة الإنقاذ مسكوا العربية قبل ما تقع بثواني.
شدّونا لفوق بحبال،
لما وصلنا فوق…
أول واحدة وقفت قدامنا كانت إيميلي.
وشها اتلوّن تاني بالدموع المصطنعة.
جت تجري عليّا:
"ماما! أنتي كويسة؟!"
رجعت لورا خطوة.
مش قادرة ألمسها.
الشرطي اللي كان واقف قال بصوت جاف:
"آنسة إيميلي، محتاجينك تجي معانا دقيقة."
اتسمرت.
“ليه؟”
الشرطي رفع كيس بلاستيك صغير…
جواه سكينة عليها آثار قطع معدني.
"دي لقيناها في شنطتك. نفس الأداة اللي اتقطعت بيها فرامل العربية."
وش إيميلي اتقلب…
أول مرة أشوفها بتتعرى من الأقنعة.
صرخت:
"ده هو اللي عمل كدا! هو!! هو اللي بوّظ حياتي!"
وبصت على أبوها بكره رهيب.
"كان عايز يمنعني أكمل الكلية… كان عايز يبعدني عن الشخص اللي بحبه… كان عايز يحرّمني من كل حاجة! أنت السبب! أنت اللي خلتني أعمل كدا!"
كأن السكينة اللي استخدمتها غرستها في قلبنا احنا.
دانيال انفجر بالبكاء.
أول مرة أشوفه كدا.
الشرطة قيدوها…
وهي لسه بتصرخ:
"كان لازم تروحوا! لازم!"
وبس…
اتسحبوا بيها بعيد.
فضلت واقفة، مش حاسة برجليا.
مش مصدقة إن البنت اللي ربيتها بإيديا…
تبقى قادرة تعمل دا.
بعد ساعات في المستشفى، دانيال قال لي بهدوء:
"كنت بحاول أحميها من نفسها… بس كنت أعمى."
بصيت له، وأنا ببكي:
"إحنا خسرناها يا دانيال."
هز راسه نفياً:
"
وبين أصوات الأجهزة والهدوء البارد…
استوعبت الحقيقة المرّة:
إن اللي ينقذك مرات مش الشجرة… ولا رجال الإنقاذ…
اللي ينقذك فعلاً… إنك تشوف وش الحقيقة قبل ما تقتلك.