كنت راكعا أمام قبر ابنتي

لمحة نيوز

سقط الكوب من يدي وارتطم بالأرض الخشبية فتكسر إلى شظايا قبل أن أدرك حتى أنني أفلته.
كنت قد عدت لتوي من المقبرة بعد وقوفي طويلا أمام حجر يحمل اسم ابنتي ودخلت مكتبي كما فعلت كل ليلة خلال الأشهر الثلاثة الماضية. لم أشعل المصابيح العلوية. كنت أفضل أن يبقى المكان نصف مظلم مضاء فقط بمصباح المكتب النحاسي وبخط رفيع من ضوء القمر المتسرب عبر أبواب الشرفة.
في يدي اليسرى كانت القلادة الفضية الصغيرة التي تركتها على قبر ابنتي ثم استعدتها غير قادر على الابتعاد عنها. وفي يدي اليمنى كما يبدو كان هناك كوب ماء. القلادة بقيت أما الكوب فلم يبق.
ارتجفت يدي حتى اضطررت للجلوس.
قال الناس في البلدة إنني أغرق في حزني وإنني لم أعد نفسي منذ الحريق. فالبيت الذي كانت تقيم فيه ابنتي خلال عطلة نهاية الأسبوع احترق في منتصف الليل. وعندما وصلت سيارات الإطفاء لم يكن هناك سوى أخشاب سوداء ودخان كثيف. أخبروني أن هناك بقايا بشرية وأخبروني أنه لا شك في أنها كانت ابنتي.
كانت هناك جنازة. نعش مغلق. حجر يحمل اسمها.
الجميع قال إن علي أن أقبل الحقيقة.
حاولت. كنت أشرب شاي الأعشاب الذي تحضره لي زوجتي فانيسا كل مساء وهي تضع يدها على كتفي وتقول
هذا لأعصابك يا ماركوس أنت لا تنام جيدا.
وأتناول الحبوب التي كان أخي كولبي يضعها في يدي كل صباح قائلا
هذا من الطبيب هاريس يساعدك على الراحة.
يوما بعد يوم أصبحت أثقل أبطأ أكثر ضعفا. نسيت مواعيد. حدقت طويلا في الجدران.

ضاعت مني الساعات. قال الناس إن هذا هو الحزن وصدقتهم.
إلى أن جاءت تلك الليلة.
سمعت الصوت قبل أن أراه صوتا خفيفا يشبه اصطكاك أسنان ترتجف من البرد.
رفعت رأسي وهناك قرب أبواب الشرفة في بقعة من الضوء كان هناك جسد صغير يلتف حول نفسه داخل بطانية متسخة.
للحظة فعل عقلي ما تعود عليه طوال الشهور الماضية رفض ما يراه.
همست لا
كانت الكلمة تجمع بين الدعاء والإنكار في آن واحد.
قلت بصوت متقطع أنت لست حقيقية لا يمكن أن تكوني هنا أنت
وتوقفت قبل أن أنطق الكلمة التي كررتها لثلاثة أشهر.
ارتجف الجسد عند سماعي صوتي. خرج صوت صغير من تحت البطانية أنين ثم كلمة واحدة
أبي
لم يتوقف قلبي عن النبض فقط بل تجمد لثوان ثم عاد بقوة حتى اضطررت للإمساك بحافة المكتب.
نهضت ببطء. قدماي كانتا كالحجر. الغرفة مالت حولي وظننت لوهلة أن هذا مجرد نوبة من تلك اللحظات التي أفقد فيها الوعي وأستيقظ لاحقا غير مدرك لما حدث.
لكن كلما اقتربت ظهرت التفاصيل.
البطانية ممزقة ملطخة بالوحل. قدماها حافيتان مجروحتان. الكاحلان مغطيان بالتراب. شعر متشابك ملتصق بوجه عليه خطوط من الدموع والغبار.
ثم رأيت عينيها.
تلك العينان.
رأيتهما يوم حملتها لأول مرة ويوم سجلت هدف الفوز في مباراة كرة القدم ويوم فتحت رسالة قبولها في برنامج الرسم ويوم ركضت صباح العيد بجراب صوفي ملون.
كنت سأعرفهما أينما كنت.
تنفست كلوي
ارتجفت وانسحبت إلى الخلف كأنها تخشى أن أؤذيها.
همست بصوت متقطع أرجوك
لا تجعلهم يعلمون أنني جئت. سيجدونني إن عرفوا.
توقفت على بعد خطوات منها خشية أن تختفي إن اقتربت فجأة.
سألت بصوت متحشرج من ممن تختبئين يا كلوي ماذا حدث
تحركت عيناها نحو الباب ثم نحو الممر كأنها تسمع خطوات لا أسمعها.
قالت هامسة فانيسا وعمي كولبي.
تجمدت في مكاني.
زوجتي. أخي.
هما اللذان حملا حزني معي. هما اللذان رتبا الجنازة ووقفا إلى جانبي وبكيا في وجوه الناس. هما اللذان كررا لي دائما أنه يجب أن أتركها ترحل.
قلت بصوت مرتعش هذا لا معنى له هما كانا هنا كل يوم هما من رتبا
قاطعتني بصوت حاد الكل كان تمثيلا يا أبي. كل شيء. الحريق القصة كل شيء خططا له.
حدقت فيها.
قالت قالا لي إنك لن تتوقف عن العمل أبدا وإنك ستدمر الشركة بسبب عنادك قبل أن تسمح لأحد بقيادتها. قالا إنني عقبة رقم يجب حذفه.
اهتزت كتفاها.
اختطفوني بعد المدرسة قالت بسرعة وأخذوني إلى منزل صغير قرب الغابة بالقرب من البحيرة القديمة التي يحبها عمي. سمعتهم يتحدثون. سمعت اسمك. قالوا إن الوقت حان لكي تتعب ولكي تصبح ضعيفا بما يكفي حتى يسهل السيطرة عليك.
أغمضت عينيها.
الحريق لم يحدث وأنا هناك تابعت. أشعلوه لاحقا. وضعوا شيئا يحترق بالطريقة التي يريدونها ليبدو الأمر كما لو كما لو أن أحدا كان داخل البيت.
سألتها بصوت منخفض وكيف هربت
قالت أحد الرجال ترك الباب الخلفي مفتوحا وهو مشغول بالهاتف. ركضت. اختبأت في الغابة. رأيت الدخان. سمعت صافرات الإنقاذ. ورأيت جنازتي يا أبي
رأيتك اليوم تقف أمام حجر يحمل اسمي.
انهارت دموعها.
وأردت أن أركض إليك لكنهما كانا هناك أيضا. وبعد أن غادرت سمعتهما يضحكان.
حملت بالكاد الهواء في صدري.
يضحكان قلت.
أومأت قالا إن الجزء الأول من خطتهما انتهى وإن الوقت حان للتخلص منك.
سألتها بخوف كيف
قالت قالا إنك تائه في حزنك وإنك صرت ضعيفا. وإنهما سيظلان يقدمان لك ما يكفي من الشاي والحبوب ليزداد ضعفك ويصدق الجميع أنك بدأت تفقد عقلك.
انكمش صدري.
الشاي الذي كانت تحضره فانيسا
الحبوب التي كان كولبي يضعها في يدي
كل الدوخة وكل الإرهاق وكل الأيام الضائعة
لم يكن حزنا فقط.
كان شيئا آخر.
قالت كلوي هما لا يريدان الشركة فقط يريدانك أنت خارج حياتهما تماما.
تنفست ببطء.
قلت سنذهب للشرطة الآن. سترينهم أنك على قيد الحياة. ستقفين أمامهم وتروين كل شيء.
هزت رأسها بعنف.
لقد سبقاك قالت. جمعا أوراقا تقول إنك لست بخير. قالا للناس إنك ترى أشياء بسبب حزنك وإنك ترفض العلاج. إن دخلنا على الشرطة الآن سيقولان إنني فتاة تدعي أنها ابنتك وسيقولان إنك مريض.
تنهدت ببطء.
إذا لن نلعب لعبتهما قلت بهدوء. سنكتب لعبتنا نحن.
ومن هنا بدأ كل شيء.
خلال الأيام التالية تظاهرت بمرض أكبر. تركت فانيسا تراني أتعثر على الدرج. تركت كولبي يأخذ القرارات. وقعت الأوراق أمامه بيد مرتجفة. بدا الأمر كما لو أن قوتي تنهار كما خططا بينما كنت في الحقيقة أكثر وعيا مما كنت منذ أشهر.
في الليل كنت أخفي الدواء وأسكب الشاي
بعيدا عن الأنظار.
وكنت أزور كلوي في الغرفة السرية المبنية داخل
 

تم نسخ الرابط