قصة بقلم اسماء السيد

لمحة نيوز

هتفت نهى بصوت هادئ صادم:
"ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا؟"

كان الهدوء في صوتها أكثر رعبًا من أي صراخ.
التفت هشام إليها فجأة، شعر وكأنه سقط في حفرة لا قرار لها.

قال متلعثمًا:
ورأت الرعشة في أطرافها، والورقة الموضوعة على المكتب، والدموع التي لم تحاول حتى مسحها.

خطت نهى خطوة للأمام:
"مريم… إنتي كويسة؟"

هزّت رأسها بلا… كأنها تعترف لأول مرة بأنها ليست بخير.
جلست نهى على الكرسي المقابل، وكأنها تمتلك كل الوقت في العالم.

قالت بهدوء:

حاول هشام أن يمسك زمام الأمور:
"الموضوع كله سوء تفاهم… —"

قاطعته نهى بلا انفعال:
"اسكت."

كانت كلمة واحدة… لكنها كانت أقوى من

أي صراخ سمعه في حياته.

انهارت مريم، ليس خوفًا هذه المرة… بل ارتياحًا قاتلًا.
كانت كتلة من الارتجاف، وصوتها يخرج متقطعًا:
"يا مدام… أنا… أنا مش قادرة… أنا بس عايزة أروح."

نهضت نهى واقتربت منها:
"مش هتمشي لوحدِك. وإنتِ مش محتاجة تشرحي حاجة لحد."

ثم التفتت نحو هشام:
"إنت كنت بتكتب شيك ليه؟"

لم يجب.
لأول مرة منذ زواجهم… لم يجد كلمة واحدة.

ابتسمت نهى ابتسامة ثابتة لكنها فارغة:
"كويس… اسحب الشيك دلوقتي."

لم يتحرك.

كررت:
"اسحبه يا هشام."

وبيد مرتعشة، مزّق الشيك إلى قطع صغيرة.

قالت نهى:
"مريم، روحي جهّزي شنطتك. وأنا هوصلك بنفسي."

ارتبك هشام:
"إنتي هتوصّليها؟

!"

نظرت إليه نظرة جعلته يبلع ريقه:
"دي إنسانة… اتعاملت معاها بطيبة أكتر ما استحقّيت. وأقل حاجة أعملها إنّي ماسيبهاش تمشي لوحدها."

خرجت مريم بخطوات متعثّرة.

وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها…
تحوّل الهدوء في الغرفة إلى عاصفة صامتة.

اقتربت نهى من هشام وقالت بصوت منخفض:
"أنت مش بس جرحت إنسانة ضعيفة…
أنت جرّحت البيت… والبيت لما يتجرح، بيقع على صاحبه الأول."

لم يستطع الرد.

أكملت:
"أنا مش هدخل معاك في جدال. فيه حاجات لازم تتصلّح، وحاجات تانية خلاص ما ينفعش تتصلّح."

ثم تركته واقفًا وسط الغرفة…
وحيدًا… لأول مرة دون قدرة على التحكم في أي شيء.

في السيارة، جلست مريم

بجانب نهى، تكتم دموعها.
قالت نهى بهدوء:
"إنتِ مش لوحدِك. وإنتِ مش غلطانة… مهما حاول حد يخوّفِك."

نظرت مريم إليها بخوف:
"أنا… أنا مش عارفة هعمل إيه دلوقتي."

ابتسمت نهى ابتسامة صغيرة مطمئنة:
"هنفكّر… خطوة خطوة. مش لازم تتخذي قرار وأنتِ مجروحة. فيه حاجات كتير أقدر أساعدك فيها."

رفعت مريم رأسها فجأة، كأنها تسمع لأول مرة كلمة مساعدة بدون مقابل…
وبدأت تشعر بأن شيئًا جديدًا على وشك أن يبدأ، شيء أكبر من خوفها…
وأقوى من تهديد أي إنسان.

لكن هشام…
في تلك الليلة لم يستطع النوم.
كان يسمع صدى كلمات نهى في رأسه…
ويرى خيال ما خسره بالفعل قبل أن يعرف أنه خسره.

ولم يدرك

أن القادم…
لم يكن مجرد نتائج لما فعله،
بل بداية تغيير كامل في حياته…
وحياة كل من حوله.

تم نسخ الرابط