وقف الرجل بقلم اسماء السيد

لمحة نيوز

وقف الرجل ، وعيناه تبحثان عن أي علامة وعي في وجهي. حاولت فتح شفتي، لكن الهواء خرج ضعيفًا، كأن الكلمات تخاف أن تولد.

اقترب خطوة أخرى وقال بصوت منخفض لكنه ثابت:

"أنا الضابط كريم… اللي اتصلت بي بنتِك. لقينا رقم الشرطة محفوظ في هاتف قديم مخبّي تحت سريرها. بنتك شجاعة جدًا… أنقذت حياتِك."

كلمة بنتك طعنتني في صدري. غصة مرّت في حلقي. دموع سخيفة تجمّعت، رغم أن جسدي لم يعد يملك طاقة للبكاء.

"هي… بخير؟" خرج صوتي مبحوحًا، بالكاد مسموع.

ابتسم لكأن روحه ارتاحت قليلًا:

"آمنة. محطوطة في مكان آمن، ومع طبيبة نفسية للأطفال. أول ما تتحسّني هتشوفيها… وعد."

أغمضت عيني، وشهقت نفسًا طويلًا ظننته لن يعود إليّ.

سحب كرسيًا وجلس بجواري، ثم قال بجدية:

"عايز أعرف كل حاجة… من البداية. ما تخافيش… انتي مش لوحدِك."

لكنني قبل أن أرد، دلفت طبيبة شابة إلى الغرفة، وأشارت للضابط أن يخرج قليلًا. ابتعد مضطرًا، وبعد بضع دقائق قامت الطبيبة بفحصي ثم قالت:

"انتي مريتِ بإرهاق شديد، ونزيف داخلي، وجفاف، وصدمة. جسمك كان على وشك الانهيار الكامل… بس انتي قوية. الطفل… ما زال بخير، لكن محتاجين نراقبك بدقة."

اشتعل قلبي خوفًا وارتياحًا في اللحظة نفسها. وضعت يدها على كتفي وقالت:

"هتكوني أحسن… صدقيني."

تركتني الطبيبة ورحلت.

بعد دقائق عاد الضابط كريم، لكن هذه المرة

كان وجهه متجهمًا أكثر.

"أنا آسف… عندي بعض الأسئلة. مش لازم دلوقتي لو تعبانة."

هززت رأسي: "اسأل."

أخرج دفترًا صغيرًا:

"جوزك… كان بيعاملك ازاي؟ من إمتى العنف بدأ؟ وهل في شهود؟ وهل سبق وهددك أو منعك عن العلاج؟"

مع كل سؤال، كانت الذكريات تتدفق كالمطر الأسود. أخبرته بكل شيء… عن الجوع، والضرب، والإهمال، والغرفة التي حبس فيها ابنتي، وعن عشيقته التي كانت تشاركه إهانتي.

تكلمت ببطء، لكن الألم كان يسابق الكلمات.

حين انتهيت، رأيت في وجه الضابط شيئًا أشبه بالغليان. قبض على القلم بقوة وقال:

"اطمني… مش هيمرّ اللي عمله بسهولة. عندنا بلاغ رسمي… وفي تقرير طبي، وشهادة بنتك، وشهادة رجال الإسعاف. هو في الحجز دلوقتي."

اتسعت عيناي بدهشة وارتجاف:

"أ… اتقبض عليه؟"

أومأ بثبات:

"مافيش راجل يحط إيده على واحدة حامل ويهرب… القانون مش لعبة. واللي شفناه منه جريمة كاملة."

لم أعرف كيف أصف الشعور الذي اجتاح صدري… خليط من راحة وخوف وفراغ طويل.

مرت ساعات طويلة، ربما أيام. الوقت أصبح مائعًا، لا شكل له. كل ما أعرفه أنني صرت أستعيد قوتي تدريجيًا، والضابط كريم صار يزورني كل يوم تقريبًا… أحيانًا يسأل، أحيانًا يطمئن، وأحيانًا يجلس صامتًا وكأنه يترك حضوره يملأ الفراغ الذي تركته سنوات القهر.

وفي إحدى الليالي، كنت مستيقظة، أتأمل ضوء المصباح المنعكس على الحائط

حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. دخل كريم وهو يحمل كوبًا من الأعشاب الساخنة.

"قلت يمكن يساعدك على النوم."

تناولت الكوب، ويدي ترتجف قليلًا.

جلس بجانبي وسأل: "بتفكري في إيه؟"

نظرت للسقف طويلًا قبل أن أقول:

"في نفسي… في حياتي اللي ضاعت. في بنتي… اللي عاشت كل ده بسبب ضعفي."

هزّ رأسه نافيًا:

"ضعف؟ انتي فاهمة غلط. الضعيف ماكانش هيصمد كل السنين دي. الضعيف كان استسلم من زمان. انتي أقوى من اللي تتخيليه."

نفسي اختنق. كلمات بسيطة… لكنها كسرت صمتًا طويلًا داخل صدري.

سألته بصوت مرتجف:

"لو… لو متّ يومها… كانت بنتي هتروح فين؟"

نظر في عيني بثبات لم أرَ مثله من قبل:

"ولا هتضيّع، ولا هتعيش اللي عشتيه. طالما أنا موجود… مش هسِيبها. ولا هسيبك."

شعرت بحرارة غريبة تملأ قلبي. ليس حبًا… بل أمانًا، ذلك الذي لم أعرفه يومًا.

بعد مرور أسبوع، سمحوا لي برؤية ابنتي.

دخلت بخطوات بطيئة إلى غرفة صغيرة في جناح المستشفى النفسي للأطفال، حيث كانت تجلس على كرسي صغير، تمسك دمية قديمة. ما إن رأتني حتى اتسعت عيناها، وسقطت الدمية من يدها.

"ماما؟"

جريت نحوها وضممتها بكل ما بقي في صدري من حياة. بكينا معًا… بكاءً طويلاً، كأننا نغسل السنوات كلها.

همست لها: "أنا هنا… مش هسيبك تاني. ولا حد هيقرب لك."

كانت يدها الصغيرة تتشبث بلباسي كأنها تخشى أن أختفي.

وقفت

الطبيبة النفسية خلفنا وابتسمت برقة:

"بنتك قوية زيك… وهتتعافى."

مرت أيام أخرى، انتقلت فيها إلى غرفة أفضل، وبدأت حياتي تستعيد شكلًا جديدًا. الضابط كريم ظل يزورني يوميًا تقريبًا. لم يعد سؤالًا قانونيًا… بل اهتمامًا صادقًا.

وفي إحدى الزيارات قال لي:

"المحكمة وافقت على إصدار أمر حماية ليكي وللبنت. وجوزك… اتحول رسميًا للمحاكمة بتهمة الشروع في القتل وترويع طفل."

ارتجفت شفتاي بصمت. لم أتخيل يومًا أن العدالة ممكنة.

أكمل:

"لكن… في حاجة تانية. بعد ما تتخرجي من المستشفى، لازم يكون عندك مكان آمن. تقدري تسكني في دار حماية لحد ما نقول كلمة النهاية."

ترددت: "دار؟"

هزّ رأسه:

"مكان آمن… نظيف… فيه ناس محترمة. ومش هتكوني لوحدك. لحد ما تقفي على رجلك."

نظرت إليه طويلًا… ثم قلت بهدوء:

"وإنت… هتختفي لما أخرج؟"

تجمد للحظة، ثم قال:

"لو عايزة أمشي… همشي. ولو عايزة أكون موجود… هكون."

لم أستطع الرد. لكن شيئًا دافئًا هزّ صدري.

في الليلة التالية، وأنا في سريري، شعرت لأول مرة منذ سنوات أن الهواء يمكن أن يدخل صدري بلا ألم. وضعت يدي على بطني… وشعرت بحركة طفيفة. همست:

"هنبدأ من جديد يا صغيري… أنا وإنتِ وإختِك."

ثم ابتسمت… ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.

وفي موعد خروجي من المستشفى، كان كريم يقف عند الباب، ممسكًا ملفات التحقيق بيد، ودمية جديدة

صغيرة بيده الأخرى.

ابتسم لي وقال:

"جاهزة نكمل؟"

نظرت إلى يده الممدودة… ثم أمسكت بها بثقة لم أعرفها يومًا.

وخرجنا.

هذه المرة… لم أكن وحدي.

تم نسخ الرابط