تقول إمرأة كنت دايما اتشاجر مع زوجي

لمحة نيوز

أخذتُ الهاتف من يد أخي، وبدأ المقطع يعمل…
في البداية لم أفهم ما أراه. صوت آلات، ضجيج حديد، أرضية إسمنتية، رجال يتحركون بسرعة. ثم…
توقفت الصورة عند وجهٍ أعرفه أكثر مما أعرف وجهي.

زوجي.

لم يكن جالسًا خلف مكتب، ولا يرتدي بدلة أنيقة كما كنت أتخيل دائمًا.
كان يرتدي ملابس عملٍ قديمة، متسخة بالزيوت والغبار، واقفًا فوق سقالة عالية، يحمل على كتفيه شيئًا ثقيلًا، وعرقُه يتصبب بغزارة، ويداه ترتجفان من التعب.

شعرتُ بصدمةٍ جعلت قدميّ تخوناني، جلستُ دون وعي.
قلتُ بصوت مبحوح: — ده… ده بيعمل إيه؟

نظر إليّ أخي نظرة لم أرَ مثلها من قبل… خليط من العتاب والحزن: — جوزك شغال عامل تحميل وتنزيل…

شغلانة ما يرضاش بيها لنفسه، لكنه قبلها علشانك.

بدأت الصورة تهتز أمام عيني، ليس لأن الفيديو يهتز، بل لأن قلبي هو الذي انهار.

قال أخي وهو يكمل: — الشركة اللي قولتي عليها “عملاقة”… آه، بس مش كل اللي فيها مدراء. جوزك من الناس اللي تحت… اللي شايلين الشغل على ضهرهم، واللي ما حدش بيسأل عنهم.

لم أستطع الرد.
تذكرت كل مرة طلبتُ فيها شيئًا، فهزّ رأسه وقال: مش دلوقتي.
تذكرتُ وجهي المتجهم، وصوتي العالي، وظهري الذي أدرتُه له.
تذكرتُ كيف كنت أترك البيت فوضى، وأدخل غرفتي وأغلق الباب، وهو…
هو كان ينظف… ويتعب… ثم ينام على الأرض دون شكوى.

أخي قال بصوت منخفض لكنه كان كالسيف: — تعرفي هو ليه

ما كانش يزعق؟
— لأنه راجع من الشغل مكسور… مش فاضل فيه طاقة حتى للكلام.

انهرتُ تمامًا.
بكيت كما لم أبكِ في حياتي.
بكيت على نفسي، على جهلي، على قسوتي، وعلى رجلٍ أحبني أكثر مما استحق.

قلتُ وأنا أبكي: — ليه ما قالش؟ ليه سكت؟

أخي رد: — قال لي مرة… قال: “لو اشتكت مني، يبقى أنا قصّرت. بس عمري ما أخلّيها تحس إنها متجوزة راجل أقل من غيره.”

في تلك اللحظة، شعرتُ أني أصغر إنسانة في هذا الكون.

عاد أخي إلى بيته، وبقيتُ وحدي أنتظر عودة زوجي من العمل.
حين دخل، كان متعبًا كعادته، وجهه شاحب، وملامحه مرهقة.
اقتربتُ منه للمرة الأولى منذ زمن… ولم أبتعد.

قلتُ بصوتٍ مكسور: — أنا آسفة.

نظر

إليّ بدهشة، كأنه لم يسمع هذه الكلمة من قبل.

قلتُ وأنا أبكي: — آسفة على كل مرة جرحتك فيها… على كل مرة شكّكت فيك… على كل تعب شلته لوحدك.

جلس بصمت.
ثم قال بهدوء: — أنا عمري ما اشتكيت… بس كنت بتوجع.

منذ ذلك اليوم… تغير كل شيء.

لم أعد أطلب ما يفوق قدرته.
تعلمتُ أن الرضا ليس في كثرة الأشياء، بل في صدق من يعطي.
صرتُ أستقبله بابتسامة، لا بشكوى.
صرتُ أرى التعب في عينيه قبل أن أرى النقص في يدي.

وبعد سنوات…
تحسنت ظروفه.
ليس لأن المال نزل من السماء، بل لأن الدعاء خرج من قلبٍ نادم.

واليوم…
كلما نظرتُ إليه وهو نائم، أتذكر تلك الليالي التي نام فيها على الأرض، وأنا أغلقتُ الباب خلفي.

وأقول في نفسي: بعض الرجال لا يحتاجون زوجة تطلب…
بل زوجة تفهم.
 

تم نسخ الرابط