امبارح روحت على بيت ابويا غضبانه
صحيت وأنا مش عارفة أنا فين… ولا أنا مين.
الصوت كان بعيد، مكتوم، كأنه طالع من قاع بئر. عيني تقيلة، وجسمي تقيل، والنار… النار لسه موجودة، ساكنة تحت الجلد زي وحش نايم ومش ناوي يصحى.
فتحت عيني بالعافية.
نور أبيض، ريحة مطهرات، أجهزة بتنهج جنبي بدل ما أنا اللي أنهج. حاولت أتحرك… معرفتش. جسمي كله متربط، شاش، أنابيب، محاليل، وألم لو اتقاس بالأرقام يبقى مالوش نهاية.
دخلت ممرضة، بصتلي بنظرة شفقة حاولت تخبيها.
قالت بهدوء:
– «الحمد لله إنك فوقتي».
حاولت أتكلم… صوتي مخرجش.
حاولت أصرخ… النار زادت.
غمضت عيني.
افتكرتها.
الست المحروقة.
فتحت عيني بسرعة ولفيت بنظري في
مفيش حد.
بس الإحساس… الإحساس بوجودها كان مالي المكان.
بعد شوية دخل دكتور، وراها أبويا.
أبويا… وشه كان متكسر، عينيه حمرا، وظهره محني كأنه شايل جبل.
مسك إيدي السليمة وفضل يعيط من غير صوت.
عرفت بعدها إن جوزي اتقبض عليه.
الناس اللي كانت بتتصالح وتسكت المرة دي سكتت للأبد.
الحروق كانت من الدرجة التالتة في أماكن كتير.
والدكاترة قالوا كلمة واحدة رنت في ودني زي الطلقة:
– «الموضوع مش سهل».
الليل نزل.
وحدوني.
وأنا لوحدي… هي رجعت.
سمعت ضحكتها قبل ما أشوفها.
ضحكة ناشفة، طالعة من صدر اتحرق فيه كل الإحساس.
ظهرت في الركن، زي أول مرة.
وشها أسود، جلدها متشقق،
قالت:
– «فاكرة نفسك هتعيشي؟»
حاولت أقرأ قرآن… لساني تقيل.
حاولت أتحرك… جسمي خانني.
قربت.
كل خطوة كانت تزود الحرارة في جسمي.
لمست جلدي… النار صحيت.
صرخت.
وفجأة…
دخل نور.
نور مش أبيض، ولا أصفر… نور دافي.
سمعت صوت واطي، ثابت:
– «اخرجي».
الست المحروقة وقفت.
صرخت، وشها اتلخبط، وفضلت ترجع لورا.
الصوت قرب:
– «دي مش بتاعتك».
افتحت عيني على أبويا وهو بيقرأ قرآن بصوت عالي، جنبه شيخ كبير.
الشيخ ماسك إيدي وبيقرأ آيات تحس إنها بتغسل الروح مش الجسد.
صرختها سمعتها جوه دماغي وهي بتتسحب:
– «مش هسيبك…»
الشيخ رفع صوته:
– «احنا
بعد الليلة دي…
ما شفتهاش.
لكن النار؟
النار فضلت.
دخلت رحلة طويلة…
عمليات، ترقيع جلد، ألم، شهور وسنين.
مرايات مكسورة، وجوه بتبصلي وبترجع تبص في الأرض.
وجسمي… جسمي بقى شاهد على كل حاجة.
بس اللي اتغير أكتر…
روحي.
اكتشفت إن الانتحار مش بطولة.
وإن العناد مع الظلم ممكن يقتلنا بدل ما ينقذنا.
وإن في ناس بتموت فعلًا، وناس بترجع من الموت عشان تحكي.
خرجت من المستشفى بعد شهور.
وشي متغير، جسمي متغير…
بس عيني؟
عيني كانت أقوى.
رفعت قضية.
اتطلقت.
خدت ولادي.
وبقيت أحكي.
أحكي لكل ست بتتضرب، بتتذل، بتتسكت.
أقولهم:
مفيش حد يستاهل تحرقي نفسك عشانه.
النار
والسكوت مش ستر.
وفي كل مرة بدخل أوضة مستشفى، وأشم ريحة مطهر…
أفتكرها.
وأبتسم.
لأني أنا خرجت…
وهي فضلت هناك.