انا المديرة
كنت واقفة قدّام هاني، وقلبي بيدق بعنف، النور الأبيض كاشف ملامحه الشاحبة، عرق خفيف على جبينه، ونظرة مش شبهه خالص.
سألته بصوت مهزوز: – مالك يا هاني؟ إيه اللي حصل؟
قعد على طرف السرير، سند راسه بإيده، وقال: – من ساعة ما دخلت الشقة دي… وأنا مش حاسس إني طبيعي. بحس إن في حد بيراقبني.
حاولت أضحك وأهوّن عليه: – دي أوهام، يمكن ضغط الشغل، المصنع مسئولية كبيرة.
بس جوايا كنت مرعوبة، لأن اللي شوفته أنا كمان ماكانش طبيعي.
مرت أيام قليلة، وبدأت حاجات صغيرة تحصل:
أبواب تتفتح لوحدها، أصوات خربشة بالليل، ريحة غريبة تظهر فجأة وتختفي.
كنت أفسر كل ده بالعقل، أقول لنفسي إن الخوف بيعمل أكتر من كده.
لكن اللي حصل بعد كده كسر أي تفسير منطقي.
في ليلة، صحيت على صوت صراخ هاني.
كان واقف في الصالة، عينيه حمرا،
قربت منه وأنا بحاول أتماسك: – مفيش حد يا هاني… مفيش.
لكن صوتي خانني.
قررت أكلّم أختي نجوى.
كنت متوقعة منها تعاطف، لكن ردها كان غريب: – قلتلك من الأول الجوازة دي مش صح… والبيت ده مش مريح.
سألتها: – تقصدي إيه مش مريح؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت: – إنتِ ناسية اللي حصل زمان؟
الكلمة دي فتحت باب كنت قافلاه بإحكام.
بعد ما قفلت معاها، نزلت المخزن الصغير اللي في الشقة، المكان اللي عمري ما بدخله.
فضلت أدور وسط الورق القديم، عقود، فواتير، ملفات صفراء.
لحد ما لقيت ملف مكتوب عليه تاريخ قديم، قبل وفاة جوزي الأول بسنة.
فتحته…
بلاغ رسمي عن وفاة عامل أثناء تجديد الشقة.
بس اللي شدّني إن البلاغ كان مقفول بسرعة غير مبررة، ومن غير تحقيق حقيقي.
في اللحظة دي، حسّيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
تاني يوم كلمت فريدة.
طلبت منها تيجي الشقة.
أول ما شافت الملف، وشها اتغير.
قلت لها بهدوء: – عايزة الحقيقة يا فريدة… من غير لف.
انهارت.
قعدت تعيط، وقالت: – جوزك الله يرحمه… ماكانش ملاك. العامل ده اتخانق معاه، واتزق، ووقع.
وأنا… أنا ساعتها خوفت عليك، وساعدته يسكر الموضوع.
الكلام كان زي سكينة في صدري.
مش مصدقة إن أقرب واحدة ليا خبت عليّ حاجة زي دي.
من اليوم ده، الأحداث زادت.
هاني بقى يرفض يقعد لوحده، المصنع بدأ يخسر من غير سبب واضح،
وأنا كنت بحس إن البيت نفسه بيضغط علينا.
وفي ليلة شتوية، حصلت المواجهة.
كنت قاعدة في الصالة، النور مطفي، لما سمعت صوت خطوات تقيلة جاية من الممر.
قمت ببطء، ولعت النور…
وشفت ظل قصير، مش واضح الملامح، بس إحساسه
سمعت صوت واطي، كأنه أنين: – حقي… راح.
صرخت.
هاني جري عليّ وهو بيعيط: – لازم نمشي من هنا… وإلا هنتدمر.
في الصبح، خدت قرار عمري.
عرضت المصنع للبيع، وقررت أسيب الشقة نهائي.
الناس استغربت، أختي حاولت تمنعني، فريدة توسلتلي أرجع في قراري،
لكن المرة دي أنا اللي كنت شايفة.
بعنا كل حاجة.
وسبنا المكان.
انتقلنا شقة جديدة، صغيرة، بسيطة، بعيدة عن كل الذكريات.
أول ليلة هناك…
نمت نوم عميق لأول مرة من شهور.
هاني صحى مبتسم، وقال: – حاسس إني رجعت أنا.
مرت شهور.
الهدوء رجع.
الضحك رجع.
حتى المصنع الجديد اللي بدأناه سوا كان ناجح.
قطعت علاقتي بفريدة للأبد.
مش كرهًا… لكن حماية لنفسي.
أما أختي نجوى، قربتلي تاني، واعترفت إنها كانت خايفة عليّ مش أكتر.
اللي اتعلمته؟
إن الماضي لما ندفنه
وإن بعض البيوت…
بتحتفظ بالأسرار أكتر من البشر.
النهاية.