كنت شغالة جرسونه
كنت شغّالة جرسونة مفلسة بالعافية مكملة.
الكافيه كان قديم، من اللي الكراسي الجلد بتاعتها مشققة وصوت الجرس اللي على الباب يرن جامد أول ما حد يدخل. كنت بشتغل شيفتات مضاعفة، عايشة من مرتب لمرتب، وباحسب البقشيش قبل ما أفكر أنام. اليوم ده كان عادي جدًا… لحد ما هو دخل.
كل اللي في المكان عرفه في ثانية.
ملياردير… CEO مشهور. النوع اللي بتشوفه على أغلفة المجلات. بدلة متفصلة، مشية واثقة. ما بصّش حواليه كتير، اختار ترابيزة جنب الشباك وقعد كأن الدنيا كلها لازم تتظبط على مزاجه.
طلب قهوة سادة.
وبعدين طلع ملف تقيل.
وأنا بملاله الفنجان، خدت بالي إنه مش بيوقّع إيصالات… ده كان بيوقّع أوراق رسمية. عقود. صفحات مليانة كلام قانوني، أختام، وعناوين كبيرة. عيني عدّت عليها من غير قصد.
وفجأة…
شوفت الإمضا.
إيدي وقفت في الهوا.
الإمضا ده أنا عرفاه من وأنا صغيرة.
على كروت عيد ميلادي.
على ورق المدرسة.
على جواب واحد أمي كانت مخباه في درج ومش بتفتحه قدامي أبدًا.
خط إيد أبويا.
ميلة حادة. ضغط تقيل. وطريقة مميزة وهو بيشطب على حرف الـ T.
قلبي دق بسرعة.
قعدت أقول لنفسي:
صدفة.
إمضات شبه بعض.
أبويا… اللي اختفى وأنا عندي ٨ سنين… مستحيل يكون له علاقة براجل زي ده.
بس أنا كنت عارفة.
قبل ما الخوف يلحقني، لقيت نفسي بتكلم:
“لو سمحت يا فندم… الإمضا ده إمضا أبويا.”
المكان كله سكت.
الـ CEO رفع عينه عليّ بالراحة.
إيده بدأت ترتعش.
ولما الكوباية وقعت من إيده واتكسرت على الأرض، فهمت إن دي مش صدفة…
دي كانت بداية حقيقة
ولا حد كان مستعد يسمعها…
الازاز اتكسر، وصوت الكوباية وهي بتتحطم رجّ المكان.
ولا نفس اتحرك.
الراجل اللي قدامي، الملياردير اللي الدنيا كلها بترتجف لاسمه، كان واقف باصصلي كأني شبح طالع له من الماضي.
قال بصوت واطي ومكسور:
“اسمك… إيه؟”
قلت وحنجرتي ناشفة:
“اسمي ليلى.
وشه شحب.
رجع خطوة لورا، وسند بإيده على الترابيزة كأنه هيقع.
“ليلى؟”
كرر الاسم كأنه بيذوقه.
“ليلى… بنت نادية؟”
أمي.
ركبتي خانتني، وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
قلت:
“إنت تعرف أمي؟”
ساعتها فهمت…
السكوت اللي كان في المكان بقى تقيل، والناس بدأت تحس إن في حاجة أكبر من مجرد خناقة أو سوء تفاهم.
قال وهو بياخد نفس طويل:
“أنا… أبوكي.”
الكلمة وقعت عليّا زي الطوبة.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
“لا.
أبويا مات من زمان.
أو على الأقل… ده اللي أمي قالتلي.”
غمض عينه، ولأول مرة شفت راجل بالمنصب والقوة دي… منهار.
قال:
“ما موتش.
أنا مشيت.”
رفعت صوتي من غير ما أحس:
“سيبتنا ليه؟
سيبت أمّي تتبهدل؟
سيبتني أشتغل جرسونة وبنضف ترابيزات؟”
الناس كلها كانت سامعة.
قال:
“كنت فقير زيك…
أبويا كان مستغل، وأنا هربت عشان أبدأ من جديد.
ولما رجعت بعد سنين، لقيت أمك رفضت تشوفني.
قالتلي إنك نسيتي
دموعي نزلت غصب عني.
“لا…
هي كانت مستنياك.
كانت مخبية جوابك في درج.
وأنا كنت بسأل عنها كل يوم.”
طلع من جيبه محفظة جلد، فتحها بإيد بترتعش، وطلع صورة قديمة.
أمي… شابة… شايلة طفلة صغيرة.
أنا.
قال:
“عمري ما نسيتك.”
سكت لحظة وبعدين قال:
“والإمضا اللي شفتيه؟
دي وصية.
كنت بوقّع على نقل جزء من شركتي باسمك.”
بصيتله مصدومة.
“ليه دلوقتي؟”
ابتسم بحزن:
“لأني عرفت إن العمر مش مضمون.
ولأني كنت بدور عليك…
بس عمري ما توقعت ألاقيك هنا، قدامي، وإنتي بتقدميلي قهوة.”
المكان بدأ يرجع له صوته، بس عالمي أنا كان واقف.
قلت وأنا بمسح دموعي:
“الفلوس مش هتعوض السنين.”
هز راسه:
“عارف.
بس لو تسمحي…
خليني أبدأ أصلّح اللي اتكسر.”
بصيت على الزي اللي لابساه، على إيدي المتشققة، وبعدين على الراجل اللي طلع فجأة أبويا.
قلت:
“مش عايزة مليارات.
عايزة أبويا.”
وقف قدامي، ومد
“لو لسه في مكان… أنا هنا.”
حطيت إيدي في إيده.
وساعتها فهمت…
إن اليوم اللي دخل فيه الملياردير الكافيه
مش بس غيّر حياتي…
ده رجّعلي أب
كنت فاكرة إنه ضاع للأبد.
النهاية.