من ست سنين
نظرت شيرين لجوازي على يدي، وعرفت إن أي محاولة منها لجرحي أو للتفاخر عليّ راحت أدراج الرياح. وقفت للحظة، عيونها مليانة استغراب وشيء من الغضب المخفي، وأنا مبتسمة بهدوء، مش محتاجة أي كلمة تانية.
عاصم وقف ساكت، كأنه عايز يفهم هو حصل إيه بالضبط، لكن ما كانش ليه مكان وسط اللحظة دي. كان واضح قدام كل الناس إن الفارق بيننا مش بس في الماضي، لكن في الحاضر: أنا كنت واقفة مع راجلي الجديد، وحسيت بالأمان اللي عمري ما حسيت بيه قبل كده.
شيرين حاولت تقول حاجة، بس الصوت اتقطع عندها. حسيت بالحرج اللي عمّرها من جوة على مدى سنين، واللي خلاص ظهر قدام كل الناس.
الجمهور الصغير اللي حوالينا – العائلة والأصدقاء – بدأوا
جوزي ماسك إيدي، وابتسملي، وسألني:
"كل حاجة تمام؟"
ابتسمتله وقلت: "أيوه… دلوقتي تمام."
شيرين وقفت شوية، وبعدين مشيت براحة، تحاول تخفي دمعة أو إحراج، وأنا حاسة إنها فاهمة أخيرًا إن اللي كانت تحاول تاخده مني من ست سنين ما كانش ليها أبداً.
رجعنا للبيت بعد العزاء، وضعت صور أمي حوالينا، وحسّيت إن ضحكتها معايا من جديد، وإنها شايفة إن أنا أخيراً لقيت راجلي وأماني وسلامي الداخلي.
اللي حصل امبارح خلاني أفكر في كل لحظة من ست سنين فاتت، كل وجع عديته، كل
كنت قاعده مع جوزي في الصالة بعد العزاء، نحكي لبعض تفاصيل حياتنا من غير أي قلق من الماضي، ومن غير أي خوف من ذكرى عاصم وشيرين. حسيت براحة ما حسيتهاش من سنين.
في اليوم اللي بعده، شيرين حاولت تبعتلي رسالة قصيرة:
"مش مصدقة إيه اللي حصل… مش فاهمة إزاي قدرتي تكوني سعيدة…"
ما رديتش، وحسيت بالطمأنينة. مفيش حاجة هتغير سلامي دلوقتي.
أيام العزاء اتعدت، والشوارع رجعت هادئة حوالينا، وأنا كنت بلاقي نفسي ببتسم لذكريات أمي، ولقائي
وافتكرت كل المشاهد اللي عديتها: لما كنت بطلع من القاهرة، لما غمرني الحزن، لما شغلت كل وقتي بالعمل والعلاج النفسي، لما قابلت جوزي الجديد… كل ده كان عشان أستعد لللحظة دي، لحظة السلام الداخلي اللي مستحيل أي حد ياخده مني.
وأنا واقفة على شرفة البيت، بليل هادي ونسمه خفيفة بتمسح على وجهي، حسيت إن أمي موجودة معايا، ضحكتها حواليا، وصوتها بيهمس: "أخيرًا يا بنتي، لقيتي اللي يريح قلبك."
وبعد كل ده، عرفت إن الحياة مش بس عن وجع لكن عن القوة اللي بنلاقيها جوا نفسنا، عن الحب الحقيقي اللي بيجي بدون شروط، وعن السعادة اللي ممكن