ماتعزمتش على فرح بنتي
ما اتعزمتش على فرح بنتي في باريس… نفس الفرح اللي أنا ساهمت في دفع مصاريفه.
الإيميل وصلني متأخر بالليل، قصير وبارد، كأنها بتلغي معاد قهوة مش بتستبعدني من واحد من أهم أيام حياتها. كانت كاتبة إن عدد المعازيم “مختار بعناية” وإن المكان محدود، وإنه هيكون “أريح للجميع” لو ما حضرتش.
وبعدين كتبت الجملة اللي خلت إيدي تبطل ترجف فجأة.
“لو حابة تبقي جزء من اليوم، ممكن تتفرجي عليه من شباك Google Earth، lol.”
قعدت أبص على الشاشة فترة طويلة.
ده ما كانش سوء تفاهم. وما كانش عشان المكان. ده كان إهانة… ملفوفة في هزار علشان تقدر تنكرها بعدين. افتكرت العربون اللي دفعته في هدوء، وحجز المكان اللي اتسحب من كارت الفيزا بتاعي، والورد اللي كانت باعتالي صوره مع قلوب وإيموجي.
رديت عليها بجملة واحدة بس.
“تمام. استمتعي بيومك الكبير.”
ما جادلتش. ما فكرتهاش بالفلوس. ما توسلّتش أفهم. قفلت اللابتوب ودخلت أنام.
الليلة دي نمت أحسن من أي ليلة من أسابيع.
علشان حاجة جوايا اتغيرت.
ما كنتش غضبانة… كنت خلصت.
تاني يوم الصبح، الفرح فاضله أقل من 24 ساعة. عملت قهوتي، بصّيت على الأجندة، وبدأت يومي عادي جدًا. فجأة الموبايل
اسمها على الشاشة.
ما رديتش.
اتصلت تاني. وتالت.
ولا مرة مسكت الموبايل.
لأن وهي بتستعد تمشي في الممر في باريس، أنا كنت بستعد أخد قرار عمرها ما كانت تتخيل إني أخده.
وقرار زي ده… ملوش رجوع.
الموبايل فضل يرن لحد ما سكت لوحده. حطيته مقلوب على الترابيزة، وشربت قهوتي على مهلي، كأني أول مرة أحس بطعمها من سنين. الغريب إني ما كنتش موجوعة زي ما توقعت… كنت هادية. هدوء اللي خد قراره وخلاص.
فتحت اللابتوب، دخلت على الإيميلات، ودوّرت على الرسائل القديمة… كل حاجة ليها علاقة بالفرح. الحجز، التحويلات، الاتفاقات. كل حاجة كانت باسمي.
كنت دايمًا “ماما اللي ورا الكواليس”. ما بحبش أبقى في الصورة، بس بحب أكون ضهر. دفعت عربون القاعة، أكدت حجز الموسيقى، وحتى الفندق اللي نازلين فيه أهل العريس… كله أنا. وهي كانت تبعتلي “شكراً يا ماما” مع قلب، وأنا أبتسم وأقول: أهم حاجة تكوني مبسوطة.
واضح إني كنت غلطانة.
قبل الظهر بشوية، الموبايل رن تاني. نفس الاسم. سبتُه يرن. بعدها بدقايق وصلني فويس.
صوتها كان متلخبط… مش واثق.
“ماما؟ هو انتي زعلانة؟ مش قصدي أضايقك… بس انتي عارفة الظروف…
قفلت الفويس من غير ما أكمّل.
هي لحد اللحظة دي فاكرة إن أقصى رد فعل مني إني أزعل شوية… وأسكت. زي دايمًا.
بس المرة دي مختلفة.
اتصلت بالقاعة في باريس. قدمت نفسي، وقلت لهم بهدوء شديد: “أنا صاحبة الحجز، وحابة أعمل تعديل بسيط.”
الموظفة كانت لطيفة، بتسألني لو حابة أغير عدد المعازيم أو ترتيب الطاولات.
قلت لها:
“لا… حابة ألغي الحجز.”
سكتت ثانيتين. “تحبي نحتفظ بالعربون؟ ولا نحوله؟”
ابتسمت. “العربون ليا… والمبلغ كله يتحول لحسابي.”
قفلت المكالمة.
بعدها كلمت شركة الزهور. ثم الموسيقى. ثم الفندق.
مكالمة ورا مكالمة، وأنا هادية أكتر من أي وقت فات. ولا مرة صوتي اتغير. ولا مرة قلبي دق بسرعة.
كنت بحط حد.
بعد العصر، الموبايل بقى مولّع. اتصالات، رسايل، فويسات… هي، العريس، حتى واحدة من قرايبهم.
آخر رسالة منها كانت طويلة، باين عليها الذعر:
“ماما انتي عملتي إيه؟ القاعة بتقول الحجز اتلغى! الزهور اتلغت! الفندق كمان! ده هزار؟ لو سمحتي ردي عليا!”
قريتها… وما رديتش.
قعدت على الكنبة، افتكرت وهي صغيرة. أول يوم مدرسة. أول مرة تقع وتعيط. كل مرة كنت أول
بس في يوم زي ده… هي اللي اختارت تسيبني.
وأنا احترمت اختيارها.
قبل الفرح بساعتين، رن الموبايل. رقم دولي. رديت.
صوتها كان مبحوح: “ماما… أرجوكي… الناس كلها هنا… في مشكلة كبيرة… مش فاهمة ليه عملتي كده…”
قلت لها بهدوء: “علشان يا بنتي، الفرح اللي مافيهوش مكان لأمك، ما ينفعش أمك تكون ممولاه.”
سكتت.
كمّلت: “أنا ما فرضتش نفسي. انتي قلتي المعازيم مختارين بعناية. وأنا احترمت ده. بس كمان فلوسي مختارة بعناية.”
قالت وهي بتعيط: “ده انتقام…”
ضحكت ضحكة خفيفة. “لا يا حبيبتي. ده حدود. حاجة كان المفروض أتعلمها من زمان.”
حاولت تعتذر. حاولت تبرر. قالت إن العريس ضغط عليها، وإنها كانت متلخبطة، وإنها ما كانتش تقصد تهينّي.
قلت لها: “الكلام اللي بيتقال بهزار، بيوجع بجد. وجملة Google Earth دي… كسرت حاجة ما تتصلّحش بسهولة.”
قبل ما تقفل، قلت آخر حاجة: “مبروك يا بنتي. أتمنى تكوني سعيدة. بس من النهارده، علاقتنا لازم تتبني من جديد… لو هتتبني.”
قفلت.
الفرح اتلغى. اتأجل. اتغيّر… ما أعرفش. وما حاولتش أعرف.
في نفس الليلة، وأنا قاعدة في بيت هادي، فتحت التلفزيون. لقيت صور
ابتسمت.
لأول مرة، ما حسّتش إني ناقصة حاجة.
أنا ما خسرتش بنتي.
أنا كسبت نفسي.
النهاية.