يلا غور من هنا
يالا غور من هنا يا راجل يا خرفان ...وانت بكرا ترجعيلنا ساحف على وشك بعد ما يدمرك العجوز ده
تقريبا اهلي انتزع من قلوبهم الرحمه من معاملتهم لجدي بالسوء ده بس الليله دي بالذات ... ليلة العيد قررت اخد صفه ومسمحش لاي حد يهينه بس اللي حصل صدمني.. امي وابويا طردوني انا وجدي برا البيت في وسط عاصفه ثلجيه كفيله تجيب اجلنا...
ليلة العيد دي لما أهلي زقوني ناحية الباب وأنا ماسك في إيد جدي حسيت إن ده أقسى عقاب في الدنيا.
امشوا إنتوا الاتنين ومترجعوش غير لما تتعلموا الأدب!
صرخت أمي وهي بتقفل الباب بعنف.
بره كان فيه عاصفة تلج بتلسع الوش والهواء بيقطع النفس.
وجدي اللي بالكاد كان بيعرف يمشي مسكني من دراعي.
تعال يا ابني
همسلي بابتسامة غريبةجه الوقت تعرف الحقيقة.
مشينا ساعات تحت التلج....أنا كنت بردان جعان وغضبان.
جدي طول عمره كان الفاشل في نظر العيلة...اللي عايش على إحسان أهلي.
اللي مش معاه يجيب لنفسه دواء ولا يقدر يجيب لنا هدية.
طول عمري سامع نفس الكلام ده راجل ضيع عمره...ولا سايب اسم ولا فلوس...خليك بعيد عنه ده عبء..
بس الليلة دي كان فيه حاجة مختلفة.
في صمته
في خطواته
في ثبات إيده وهي ماسكاني رغم الارتجاف.
وبعد ما جسمي بدأ ينهار من التعب وصلنا قدام بوابة ضخمة حديد أسود عالية جدا
عمري ما شفتها في حياتي.
وقفت مذهولجدو إيه المكان ده
جدي مد إيده في جيبه الممزق
وطلع مفتاح دهبي.
أنا اتجمدت مكاني.
مفتاح! إزاي!
ما ردشبس قرب من القفل
ودور
البوابة اتحركت لوحدها! صوت الحديد وهو بيفتح كان زي الرعد....وفجأة
أنوار قوية جدا ضربت في عنينا. وأنا واقف مش مصدق
قدامنا كان فيه قصر مش بيت
قصر ضخم أضخم من أي حاجة شفتها في حياتي.
عربيات فارهة مركونة على الجنبو حراسة
قلت وأنا بتلعثم
جدو إحنا فين!
وقبل ما يستوعب عقلي
طلع تلات رجالة ببدل من جوه بيجروا ناحية جدي.
أستاذ حسين إحنا مستنيين حضرتك.
كل حاجة جاهزة للبث المباشر
أنا حسيت إني بحلم.
البث المباشر!
إيه اللي بيحصل
في اللحظة دي
جدي اتعدل.
اتعدل كأنه فجأة بقى أطول بعشرين سنة.
كأنه شال حمل عمر كامل من على ضهره.
عينيه لمعت مش بدموعب قرار....قرار خوفني.
قال بصوت ثابت لأول مرة أسمعه كده
أيوه.
الليلة دي ولادي هيدفعوا تمن كل إهانة.
كل جنيه سرقوه مني وهم فاكريني عجوز خرفان.
وكل كلمة قذرة قالوها عني قدام الناس.
أنا شهقت ولادك! تقصد بابا وعمي!
جدي بصلي نظرة طويلةنظرة فيها وجع سنين وفيها قوة جديدة.
لسه هفتح بقي لقيت كاميرات بتتثبت بسرعة.
ميكروفونات....إضاءة....ورجالة أمن واقفين صفين.
حد من الطاقم قرب وسأل
حضرتك هنبدأ خلال دقيقتين جاهز
جدي هز راسهوبعدين بصلي وابتسم ابتسامة صغيرة
دلوقتي هيعرفوا أنا مين بجد.
وهيعرفوا هيكلفهم قد إيه اللي عملوه.
أنا كنت واقف مرعوب.
كل اللي في دماغي سؤال واحد
إزاي جدي اللي كنت فاكره فقير ومكسور يبقى صاحب القصر ده!
وليه مخبي ده كله
وليه الليلة دي بالذات
جدي قرب مني مسك كتفي وقال بهمس
عارف
لأنهم فاكرين إن محدش هيصدقك لو حكيت.
وفاكرين إن كل اللي باسمي ملكهم.
وبعدين رفع صوته لأول مرة قدام الكل
شغلوا البث....
الكاميرا اشتغلت.
اللمبة الحمرا نورت.
وواحد من الطاقم قال
إحنا على الهوا.
جدي بص للكاميرا
ملامحه اتغيرت تماما.
مش ملامح عجوز ضعيف
ملامح رجل كان ماسك الدنيا وبيراقب في صمت.
قال بوضوح اسمي حسين البدري.... والليلة هكشف الحقيقه واللي اتدفنت سنين.... وهثبت بالأوراق وبالحسابات وبالشهود إزاي اتسرقت وإزاي اتقال عليا شحات وأنا اللي بنيت كل ده بإيدي.
أنا حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
فجأة موبايل واحد من الحراس رن.
وبعدين التاني....وبعدين التالت.
واضح إن البث وصل لأهلي.
جدي
ابتسم
ابتسامة فيها انتقام هادي مش صراخ
لكن عدل....وبصلي تاني وقال
افتكروا اللي قالوه هترجعوا يوم تتوسلوا
النهارده هما اللي هيتوسلوا.
واللي اكتشفته في الليلة دي
خلاني أتجمد من الرعب ومن الصدمة
لأن الحقيقة ما كانتش بس فلوس
الكاميرا كانت ثابتة
والصمت اللي سبق كلام جدي كان أتقل من العاصفة اللي بره.
قال بهدوء قاتل
من خمس وعشرين سنة أنا سلمت إدارة كل شركاتي لولادي.
كنت فاكر إني ربيت رجالة.
لكنهم سرقوني زوروا أوراق نقلوا الأملاك بأسمائهم
ولما حاولت أتكلم
قالوا عني خرفان ومحتاج وصاية.
الإضاءة كانت مسلطة على وشه وكل كلمة كانت بتنزل زي المطرقة.
بدأت تظهر على الشاشة مستندات
عقود أصلية توقيعات حسابات بنكية
وأسماء كبيرة شهود.
واحد من
كل المستندات دي متسجلة رسميا وتم إيداعها في المحكمة من أسبوع.
والبث ده موثق قانونيا.
أنا حسيت برجلي بتخوني.
يعني جدي كان عارف
ساكت مستني
وبيختار اللحظة.
وفجأة
باب القصر اتفتح بعنف.
أبويا
وعمي
وشهم شاحب أنفاسهم متقطعة وعيونهم مليانة رعب مش غضب.
أبويا صرخ
بابا! اقفل البث!
إحنا نتحاسب بينا وبين بعض!
جدي لف ببطء
وبصله نظرة خلتني أرتجف.
بينا وبين بعض
لما طردتني في ليلة عيد
لما خليت حفيدي يبات في التلج
ساعتها ما كانتش بينا وبين بعض.
عمي حاول يقرب
إحنا غلطنا بس إنت أبوهم!
جدي رفع إيده
القاعة كلها سكتت.
آه أنا أبوهم.
وعشان كده استنيت.
كنت مستني أشوف مين فيكم لسه عنده رحمة.
بصلي
وقال قدام الكل
الولد ده هو الوحيد اللي وقف.
الوحيد اللي اتطرد معايا.
الوحيد اللي اختار الكرامة.
وبص لهم تاني
كل اللي باسمكم هيتجمد.
كل أملاككم تحت التحفظ.
والمحكمة هتقول كلمتها.
أبويا وقع على ركبته.
أول مرة أشوفه ضعيف.
سامحني يا بابا
جدي قرب منه
لكن ما مدش إيده.
المسامحة مش كلمة.
المسامحة حقها يتدفع.
البث اتقفل.
والليل خلص.
بعد شهور
رجع اسم حسين البدري يتكتب تاني في الصحف.
مش كفضيحة
كرجل أعمال اتسرق وصبر واسترد حقه.
أبويا وعمي
اتحكم عليهم برد الأموال ومنع من الإدارة.
مش سجن
لكن خسارة الاسم والسلطة
وكان ده أقسى عليهم.
وأنا
نقلت أعيش مع جدي في القصر.
بس عمره ما سمحلي أنسى إحنا جينا منين.
كان دايما يقول
الفلوس اختبار
بس الأصل هو اللي
وفي أول عيد بعد الليلة دي
فتح جدي باب القصر
ودخلنا نوزع هدايا على ناس ما يعرفوش إحنا مين.
ابتسملي وقال
شفت
اللي صبر ما بيخسرش.
واللي يذل يومه جاي.
النهاية