كانت بتصحيه من النوم
كانت نور واقفة في المطبخ، إيديها بتترعش وهي بتقلب القهوة. صوت المعلقة وهي بتخبط في الفنجان كان أعلى من اللازم، كأنه بيعلن خوفها. من ساعة ما الست دخلت البيت وقالت “أنا عايزه بنتي”، والدنيا وقفت عند اللحظة دي.
قلبها اتقبض.
أمها.
سنين طويلة وهي بتحاول تنسى الصوت، الملامح، القسوة. مشيت من غير ما تبص وراها لما سابت البيت، بس الوجع فضل ماشي معاها في كل حتة.
فارس كان قاعد في الصالون، رجليه ممدودة قدامه، سيجارة بين صوابعه، ملامحه جامدة كعادته، بس جواه كان في نار. هو عمره ما حب حد ييجي يكسر النظام اللي عامله لنفسه. حياته ماشية بقانون واحد: السيطرة. واللي يخرج عنه… يتحرق.
دخلت نور بهدوء، حطت الفنجان قدامه، وحاولت تمشي.
مسك إيدها.
لمست إيده خلتها تنتفض.
قال بصوت واطي،
— عايزه ترجعي؟
رفعت عينيها ليه. الدموع كانت واقفة على الحافة، مستنية الإذن. هزت راسها لأ. لا.
مش عايزة ترجع.
بس كمان… مش عارفة تكمل.
فلتت إيدها ودخلت تجري جوه، وكأنها بتهرب من نفسها.
فارس نفخ دخان سيجارته وبص للست اللي واقفة قدامه، عينيها مليانة غضب وغيرة وندم متأخر.
قال ببرود:
— مفيش بنت هنا. اطلعي برا.
صرخت:
— دي بنتي! غصب عنك!
قبل ما يكمل، سمع صوت كرسي بيتحرك.
جدته.
كانت قاعدة على الكرسي المتحرك، ضهرها مستقيم رغم سنين العمر، عينيها فيها حكمة تقيلة.
قالت بهدوء يخوف:
— فارس.
لفلها.
— نعم؟
— البنت دي مش لعبة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— اتجوزها… وريح قلبي.
انفجر:
— اتجوز؟! إنتي نسيتي نفسك؟ دي لسه 18 سنة!
— وأنا مش مجرم.
ابتسمت الجدة ابتسامة صغيرة، موجعة:
—
قاطعها:
— أنا مسؤول عنها من غير جواز.
ردت بسرعة:
— لأ. إنت متحكم. وفي فرق.
الست اللي بره خرجت وهي بتتوعد، بس محدش كان سامعها.
كل التركيز كان جوه البيت.
نور كانت واقفة ورا الباب، سامعة كل كلمة. قلبها كان بيدق بعنف.
اتفتحت الباب ودخلت.
الكل سكت.
قالت بصوت متقطع بس واضح:
— أنا مش عايزة جواز… ولا رجوع.
بصت لفارس:
— أنا عايزة أعيش.
فارس اتجمد.
أول مرة يشوفها بالشجاعة دي.
— تعيشي إزاي؟
سؤال طلع منه من غير ما يحس.
قالت:
— أتعلم. أشتغل. أغلط وأصلّح.
— من غير خوف.
الجدة دمعت.
قالت:
— سمعت؟ دي مش طفلة… دي روح بتدور على أمان.
فارس قام، مشي ناحية الشباك.
افتكر نفسه صغير، لما كان واقف مكانها، بس محدش سمعه.
افتكر إنه
بس نسي إن القوة من غير رحمة… قسوة.
لف وقال:
— مفيش جواز.
نور شهقت.
— ومفيش رجوع غصب.
— هتكملي تعليمك.
— وهتبقي حرة.
الجدة هزت راسها.
— القرار ده هيطاردك طول عمرك… بس هينقذك.
بعد أسابيع…
نور دخلت الجامعة.
أول يوم لبست لبس بسيط، شعرها مربوط، عيونها لمعة أمل.
كانت بترجع البيت وهي بتحكيله عن المحاضرات، عن صحبة جديدة، عن دنيا بتتفتح.
وهو كان بيسمع في صمت.
العلاقة بينهم اتغيرت.
ما بقاش في أوامر.
في مسافة محترمة.
وفي يوم، دخلت عليه المكتب وقالت:
— شكراً.
بصلها:
— على إيه؟
— إنك سيبتني أكون نفسي.
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وقال:
— يمكن إنتي اللي علمتيني أكون إنسان.
في ليلة هادية، الجدة كانت نايمة.
نور قاعدة في أوضتها بتذاكر.
وفارس واقف في البلكونة،
بس العدل هو الأصعب.
وإنه اختار الصح.
حتى لو متأخر.