مراد
مرّت أيام بعد تلك الليلة، وأصبحت نيروز أكثر هدوءًا، لكن داخلها كان يعج بأسئلة لا تنتهي.
الحمل لم يكن مجرد خبر… كان مسؤولية، وخوف، وأمل مختلطين معًا.
مراد من جانبه تغيّر دون أن يعلن ذلك.
لم يعد ذلك الرجل المندفع فقط، بل صار يراقب خطواته، كأن حياة أخرى صارت معلّقة به.
في صباحٍ هادئ، استيقظت نيروز على صوت حركته في المطبخ.
نهضت بتثاقل، وضعت يدها على بطنها الصغيرة التي لم تظهر بعد، وتقدمت نحوه.
نيروز بابتسامة خفيفة:
– إنت صاحي بدري كده ليه؟
التفت مراد، كان يحمل كوب حليب.
مراد بحزم لطيف:
– عشان الدكتورة قالت لازم تشربيه،
ضحكت بخفة:
– بقيت دكتور فجأة؟
اقترب منها، ناولها الكوب، ثم جلس أمامها يراقبها وهي تشرب.
مراد بصوت منخفض:
– أنا خايف عليكي… وعلى اللي في بطنك أكتر ما بخاف على نفسي.
نظرت له بدهشة، لم تسمع منه اعترافًا كهذا من قبل.
نيروز:
– مراد… إنت عمرك ما كنت وحش.
ابتسم بسخرية خفيفة:
– لا كنت… بس يمكن دلوقتي عايز أبقى أحسن.
في المساء، دخلت سارة الغرفة دون استئذان، نظراتها كانت مشحونة، وعيناها تقدحان شررًا.
سارة بحدة:
– يعني الخبر طلع صحيح؟
نيروز توترت، لكن مراد وقف فورًا أمامها.
مراد ببرود:
– أيوه صحيح… ونيروز مسؤوليتي.
سارة بضحكة ساخرة:
– ومسؤوليتك دي جت إمتى؟
اقترب مراد خطوة، صوته صار قاطعًا:
– من اللحظة اللي قررت فيها أكون راجل بجد.
نيروز شعرت بقلبها يخفق بقوة، لأول مرة تشعر أنه يحميها لا بالكلام فقط، بل بالموقف.
خرجت سارة غاضبة، وبقي الصمت.
نيروز بخوف:
– إنت كده عملت مشكلة.
مراد وهو يمسك يدها:
– اللي يخوف أكتر إني أسيبك لوحدك.
مرّت الشهور ببطء جميل.
كبر بطن نيروز، وكبر معها تعلّق مراد بها.
كان يرافقها للطبيب، ينتظر خارج الغرفة بتوتر، يمسك هاتفه ويضغط عليه بلا وعي.
وفي إحدى الزيارات، خرج الطبيب مبتسمًا.
الطبيب:
– ألف مبروك… كل شيء
تنفس مراد الصعداء، ثم التفت لنيروز.
مراد بعينين لامعتين:
– سمعتي؟ بخير… زينا.
ضحكت نيروز والدموع في عينيها.
في ليلة شتوية، جلست نيروز بجواره على الأريكة، وضعت رأسها على كتفه.
نيروز:
– مراد… لو رجع بيك الزمن، كنت تختار نفس الطريق؟
فكّر لحظة، ثم قال بثبات:
– آه… عشان الطريق ده جابني ليكي.
سكت قليلًا، ثم أضاف بصوت مبحوح:
– وجابلي حلم كنت فاكره مستحيل.
وضعت يدها فوق يده، فوق بطنها.
نيروز:
– إحنا مش لوحدنا خلاص.
انحنى مراد، قبّل يدها برفق، وهمس:
– ولا عمري هسيبك لوحدك.
وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك صراخ،
بل بداية هادئة…
لعائلة وُلدت من الخوف،
وكبرت بالحب. ❤️