في يوم الكريسماس
في يوم الكريسماس، وإحنا بنحضّر الغدا، سألت أهلي:
"هو في أي ورق رسمي وصل البيت؟"
قالوا:
"أيوه… بس رميناه كله في الزبالة."
اتجمدت في مكاني.
"متأكدين؟"
أبويا ضحك، ضحكة واثقة ومستفزة:
"طبعًا. هنسيب إعلانات فاضية يعني؟"
اللي قلته بعدها مسح الضحكة من على وشه في ثانية… وبدلها خوف ورعشة.
من قبل ما حد يتكلم، يوم الكريسماس كان مشحون.
المطبخ كان زحمة، ريحة اللحمة في الفرن والصوص على النار مالية المكان. أمي بتلف بين الرخام وهي متضايقة من أي حاجة. أبويا قاعد على السفرة، ماسك كوباية النبيذ، مستمتع بالاهتمام زي عادته.
أنا كنت متعودة أتعامل بحذر في التجمعات دي—ساكتة كفاية ما أستفزش، وموجودة كفاية ما يتقالش إني قليلة الأدب.
وإحنا بنرص الأطباق، سألت بهدوء:
"هو في أي ورق رسمي وصل البيت قريب؟"
أمي حتى ما بصتش:
"أيوه، شوية جوابات ملهاش لازمة.
إيدي وقفت.
لفّيت على مهلي:
"متأكدين؟"
أبويا ضحك ضحكة قصيرة، واثقة:
"طبعًا. هو إحنا هنسيب الهبل ده ليه؟"
ده ماكانش هبل.
بقالي شهور مستنية ورق رسمي بعلم الوصول بخصوص نقل ملكية وإنذار قانوني ليه علاقة بتركة جدتي الله يرحمها.
ورق كنت محذّراهم منه.
ورق قلت لهم أكتر من مرة—وبوضوح—ما يلمسهوش.
قلبي كان بيدق في وداني.
قلت وأنا بحاول أتماسك:
"الورق كان باسمي… فتحتوه؟"
أبويا مال بظهره ورا، بثقة مستفزة:
"إحنا أهلك. مش محتاجين إذن."
حاجة جوايا تلجت.
خدت نفس.
وبصوت واطي قوي قلت:
"الورق ده كان تبع المحكمة."
المكان كله سكت.
ضحكته اهتزت.
"يعني إيه؟" قالها وهو متلخبط.
"كان إشعار نقل ملكية… وإثبات استلام."
أمي ساعتها بس بصّت:
"يعني إيه الكلام ده؟"
بصيت لأبويا في عينه وقلت:
"يعني المحكمة معتبرة إن الورق وصلكم… وبرميكم ليه، إنتوا
لون وشه اختفى.
ولأول مرة في الكريسماس ده…
محدش كان بيضحك.
السكوت كان تقيل، كأنه كتم النفس في المطبخ.
أبويا كان باصصلي ومش قادر يستوعب، كوباية النبيذ في إيده بترتعش لأول مرة أشوفها كده.
قال بصوت واطي:
"يعني… يعني إيه دلوقتي؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادية، بس من غير أي دفء.
"يعني المحكمة مسجلة إن الورق اتسلّم، ومفيش أي اعتراض اتقدم في المدة القانونية."
أمي قربت بخطوتين، صوتها متلخبط:
"مدة إيه؟ اعتراض إيه؟"
قلت وأنا بحط الطبق على السفرة بهدوء غريب:
"مدة الطعن. اللي فاتت خلاص."
أبويا قام من مكانه فجأة:
"إنتي بتلعبي على أعصابنا؟"
هزّيت راسي:
"لا. إنتوا اللي لعبتوا على نفسكم."
قعد تاني، المرة دي من غير ثقة، من غير غرور.
"يعني الورق ده كان فيه إيه؟"
بصيتله بثبات:
"كان فيه إن البيت اللي باسم جدتي، اتحوّل رسميًا
أمي شهقت:
"يعني إيه؟ إحنا قاعدين هنا!"
رفعت كتافي:
"ما قلتش تمشوا دلوقتي. المحكمة هتقول."
صوت السكينة وهي وقعت من إيد أبويا كان عالي في الصمت.
"إنتي عملتي كده من ورانا؟"
قربت منه شوية، وقلت بهدوء قاتل:
"أنا عملت كده بعد ما استنيت سنين، وبعد ما اتسرق حقي وأنا ساكتة."
أمي حاولت تبكي:
"إحنا أهلك!"
رديت من غير ما أرفع صوتي:
"والأهل ما يفتحوش ورق مش باسمهم، وما يرموش مستقبل بنتهم في الزبالة."
الساعة عدّت.
الأكل برد.
ولا حد قدر يمد إيده.
وأنا لابسة الجاكيت، مسكت شنطتي.
أبويا قال بصوت مكسور:
"هتعملي إيه دلوقتي؟"
لفّيت وبصّيتله آخر بصّة:
"ولا حاجة. كل حاجة اتحسمت من ساعة ما قلتلي: رميناه."
وفتحت الباب.
وأنا نازلة السلم، الموبايل رن.
رسالة واحدة من المحامي:
"مبروك. القضية
ابتسمت.
أول كريسماس في حياتي…
أطلع منه وأنا مش مكسورة.