انا عمري مااتخيلت

لمحة نيوز

أنا عمري ما تخيلت إن اليوم اللي أروح فيه القسم أعمل بلاغ، هيبقى ضد أمي.
ولا عمري تخيلت إن بنتي، وهي عندها 17 سنة، تبقى قاعدة جنبي في مكتب ظابط، إيديها بتترعش، وعينيها مليانة خوف… مش من الشرطة، لكن من الحقيقة.

كل حاجة بدأت من 3 أيام.
كنت راجعة من الشغل تعبانة، لسه فاكرا إني هاقعد أخلص شوية ورق، ألاقي بنتي داخلة عليّ أوضتي وهي بتعيط، عياط مكتوم، اللي هو الواحد بيحاول ما يبينوش بس بيفضح نفسه.
قلت لها:
– مالك يا حبيبتي؟
قالت بصوت متكسر:
– ماما… البنك رفض طلبي.
افتكرت في الأول إنهم رفضوا المنحة، أو القرض التعليمي، يمكن ورق ناقص، يمكن تقدير مش كفاية.
لكن اللي قالته بعد كده خلاني أحس إن الأرض بتتشقق تحت رجلي.
– قالولي إن عندي ديون… ومتسجلة عليا قضايا تحصيل… والكريديت بتاعي 512.
ضحكت. ضحكة عصبية.
– إنتي بتهزري؟ إنتي عمرك ما مسكتي فيزا في حياتك.
هزت راسها وهي بتعيط:
– والله يا ماما… هم عرضوا عليا تقرير ائتمان… اسمي عليه… وكل حاجة.


اللي حصل بعد كده كان زي الكابوس.
دخلت على الكمبيوتر، سحبت تقرير الائتمان، وأنا قلبي بيدق في وداني.
ولقيتها.
فيزا كارد.
مفتوحة من سنة ونص.
وقت ما كانت بنتي لسه متمتّش 16 سنة.
عنوان المراسلات؟
بيت أمي.
قعدت أبص للشاشة يمكن أكون غلطانة.
يمكن اسم مشابه.
يمكن تشابه أسماء.
بس لأ.
الرقم القومي.
تاريخ الميلاد.
كل حاجة مظبوطة.
حسيت نار طالعة من صدري لدماغي.
بس قلت: لأ.
أمي.
مستحيل.
كلمتها الصبح.
كنت أهدى واحدة في الدنيا.
قلت لنفسي: اسمعي الأول.
– يا ماما… في فيزا باسم بنتي، متسجلة على عنوانك. تعرفي عنها حاجة؟
ردت من غير تردد، ولا حتى ثانية تفكير:
– آه.
الـ “آه” دي كانت أقسى من أي شتيمة.
– آه؟!
– آه يا بنتي، أنا اللي فاتحاها.
– فتحتِ فيزا باسم قاصر؟ من غير ما أعرف؟
ضحكت. ضحكة باردة:
– ماتكبريش الموضوع. كنت بشتريلها لبس للمدرسة. وإنتي طول عمرك بتشتكي من الفلوس.
قلت وأنا بحاول أتماسك:
– طيب ليه من غير ما تقولي؟ وليه باسمها؟
قالتلي بكل
ثقة:
– دي حفيدتي. وليا حق أساعدها.
قفلت المكالمة وأنا جسمي كله بيرتعش.
لكن لسه ما كنتش شفت الأسوأ.
لما راجعت كشف الحساب، أول كام شهر كانوا فعلاً لبس وحاجات بسيطة.
وبعدين…
الموضوع قلب فجأة.
محلات مكياج غالية.
أرقام فلكية.
طلبات أكل دليفري كل يوم.
محل موبيليا.
مبالغ تتصرف في يوم واحد أكتر من مرتبي في شهر.
كلمتها تاني.
واجهتها.
سكتت ثانيتين… وبعدين انفجرت.
– أنا ربيت البنت دي نص عمرها وإنتي في الشغل!
– إنتي مديونة ليا!
– ومن حقي أدلع نفسي شوية!
اللحظة دي، أنا فهمت.
مش غلطة.
مش سهو.
ده قرار.
قلت لها بوضوح:
– قدامك 24 ساعة ترجعي كل الفلوس، وإلا هابلغ.
ضحكت.
ضحكة استهزاء.
– إنتي؟ تبلغي على أمك؟
– ما العيلة الديرتي ما تبوظش.
الكلمة دي فضلت ترن في وداني طول الليل.
العيلة الديرتي.
بس ولا مرة حد فكر إن بنتي، اللي مستقبلها بيتدمر، هي كمان عيلة.
تاني يوم الصبح، أخدت بنتي وروحنا القسم.
معانا كل الورق.
كل التقارير.
الظابط كان محترم، وقال
جملة عمري ما أنساها:
– الموضوع ده بيحصل كتير. أهالي شايفة فلوس ولادها حق مكتسب.
طلبت من أمي تيجي القسم، يمكن آخر فرصة.
جات.
ومعاها خالتي، وأختي الصغيرة.
قبل ما ندخل، حاصروني في الجراج.
ضغط.
تهديد.
دموع.
أمي كانت بتنهج:
– هتعملي كده في أمك عشان شوية فلوس؟
بصيتلها وقلت بهدوء عمري ما حسيت بيه قبل كده:
– إنتي بتبوظي حياة حفيدتك.
قالت:
– غلطة بسيطة… وهترجعهم يوما ما.
بس الحقيقة؟
هي كانت عملت كده قبل كده.
سرقت بطاقة أختي.
وسكتوا.
ودفعوا.
عشان “يشترو دماغهم”.
وأنا رفضت.
دخلت القسم.
عملت البلاغ.
وبنتي كانت ماسكة في هدومي، خايفة، بس لأول مرة حاسة إن حد واقف جنبها.
لما خرجنا، أمي كانت بتعيط:
– يا رب تكوني مبسوطة… دمرتي أمك.
والعيلة؟
قلبت عليا.
أختي: “إنتي ميتة بالنسبة لي”.
خالتي: “اتكسفي على دمك”.
أبويا: “أمك منهارة”.
بس بنتي؟
ابتدت تقدم على منح تاني.
ومن غير الديون… عندها أمل.
وساعات بسأل نفسي:
هل كنت أقدر أحلها ودي؟
يمكن.
بس اللي
متأكد منه…
إني لو سكت، كنت هدمر بنتي بإيدي.
وأحيانًا، أصعب قرار صح…
بيخليك تبان أشر إنسان في نظر اللي اتعودوا على سكوتك.

تم نسخ الرابط