ابويا جابلي حقي
بعد ما خرجنا من القسم، الدنيا كانت داخلة على الفجر.
الشارع فاضي، الهوا ساقع، وأنا حاسة إني جسمي سابقني بخطوتين.
أبويا كان سايق من غير ما يبص في الطريق، كأنه حافظه، أو يمكن مش شايفه أصلًا.
أمي قاعدة ورا، ماسكة المسبحة، كل حبة بتعدي بإيدها كانت دعوة مش منطوقة.
وصلنا البيت.
العمارة كانت نايمة، ولا نور شقة واحد.
طلعت السلم ببطء، رجلي تقيلة، وكل درجة كأنها بتسألني سؤال مش لاقية له إجابة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
قعدت على الأرض، ضهري للسراير، وفضلت باصة في نقطة واحدة في الحيطة.
مش ببكي.
الدموع خلصت.
اللي فاض كان وجع صامت، أوجع من الصريخ.
عدّى يومين.
وأنا زي ما أنا.
مش قادرة أفتح الموبايل، ولا أرد على حد.
الخطيبة؟
كانت كلمة تقيلة على لساني.
كل مرة أسمعها، قلبي يتقبض.
أبويا بقى ينام قليل.
كنت أصحى بالليل ألاقيه قاعد في الصالة، النور
أمي كانت بتحاول تمسك نفسها، بس كنت بشوفها وهي بتعيط لوحدها في المطبخ.
بعد أسبوع، الظابط اتصل.
قال لأبويا إنهم محتاجين يشوفوني تاني.
قلبي وقع في رجلي.
فكرة الرجوع للمكان، أو الكلام، كانت خانقة.
في القسم، قعدت في أوضة صغيرة.
الظابط دخل بهدوء، سلّم، وقعد قدامي.
قال إنهم راجعوا تسجيلات أكتر، وإن في خيط جديد.
طلب مني أفتكر أي تفصيلة صغيرة.
صوت، ريحة، كلمة.
حاولت.
عقلي كان بيهرب.
بس افتكرت حاجة واحدة:
لما العربية اتحركت، عدّينا على مطب صناعي، العربية هزّت جامد.
قلتله.
التفصيلة دي فرقت.
بدأوا يحددوا مسارات ممكنة.
محلات، كاميرات، طرق جانبية.
التحقيق كمل.
وأبويا بقى شبه مقيم في القسم.
صحته تعبت.
الضغط عليه كان باين.
في البيت، الكلام قل.
بقينا نعيش بالإيماءات.
نظرة من أمي، كباية شاي اتحطت قدامي من غير كلام.
الخِطوبة اتأجلت.
وبعدين اتلغت.
من غير تفاصيل.
الناس سألت، وأبويا كان يرد:
"نصيب."
الكلمة كانت سهلة عليهم،
بس عليا كانت تقيلة.
عدّى شهر.
وبعدين شهرين.
وفي يوم، الظابط اتصل تاني.
العربية اتحددت.
مش من الكاميرا الأولى،
لكن من سلسلة تحركات.
الميكروباص كان متسجل باسم حد،
لكن اتبلغ بسرقته قبلها بأيام.
المكان اللي رموْني فيه كان قريب من مخزن مهجور.
المخزن ده كان مراقَب.
اتقبض عليهم.
اتنين.
واحد حاول ينكر،
والتاني انهار.
لما عرفت، رجلي ما شالتنيش.
قعدت على الكرسي، وأنا حاسة إن صدري فاضي.
مش فرح.
مش شماتة.
بس إحساس إن الحقيقة طلعت للنور.
بدأت جلسات التحقيق الرسمية.
مواجهة.
أسئلة.
إعادة سرد.
كل مرة كنت بخرج مكسورة أكتر،
بس مصممة أكمل.
المجتمع ما رحمش.
فيه اللي صدّق.
وفيه اللي شك.
وفيه اللي قرر يسكت… وده كان أحسنهم.
أبويا وقف سَد.
قال
"اللي حصل مش عيب، والسكوت عليه هو العيب."
بدأت أتعالج نفسيًا.
جلسات طويلة.
كلام كتير.
صمت أطول.
كنت أتعلم أتنفس من جديد.
أمشي في الشارع من غير ما ألف ورايا كل شوية.
أقفل النور وأنام.
بعد سنة تقريبًا،
القضية وصلت للمحكمة.
دخلت القاعة،
إيدي في إيد أبويا.
كان باين عليه التعب،
بس واقف.
وقفت قدام القاضي.
اتكلمت.
صوتي كان واطي،
بس ثابت.
حكيت.
من غير تزيين.
من غير تهويل.
الدفاع حاول يضغط.
يسأل.
يلف.
بس الحقيقة كانت أوضح من أي محاولة.
الحكم صدر.
سنين طويلة.
عدالة ما بترجعش اللي راح،
بس بتقول إن اللي حصل له اسم.
خرجت من المحكمة.
الشمس كانت قوية.
أول مرة أحس بدفاها.
أبويا حضني.
وأمي كانت بتعيط،
بس دموع مختلفة.
رجعت حياتي تمشي.
مش زي الأول.
بس ماشية.
غيرت مكاني.
درست.
اشتغلت.
بقيت أقوى.
مش لأن اللي حصل كان سهل،
لكن
الوجع بقى ذكرى.
مش جرح مفتوح.
وكل ما افتكر،
أفتكر حاجة واحدة:
إن السكوت كان هيقتلني،
وإني لما حكيت،
عِشت.