ابني الصغير انبارح
عدّت الليلة وأنا مش نايمة أصلًا، عيني على الموبايل ومستنية أي حركة، أي نفس، أي حاجة تفسر اللي بيحصل.
الساعة عدّت 12… 1… 2…
وفجأة عند 3 إلا ربع، الكاميرا اتحركت.
الأوضة كانت ضلمة، بس الرؤية الليلية مبيضة كل حاجة.
ابني كان نايم على جنبه، نفسه منتظم.
وفجأة… الغطا اتحرك لوحده.
قلبي وقف.
الغُطا اتشد من رجليه كإن حد بيسحبه بالراحة.
ابني فتح عينه، بص للسقف، وكإنه متعود.
وقعد.
وفي اللحظة دي… شُفت الحاجة اللي خلت دمي يتجمد.
ورقة…
ورقة بيضا نازلة من تحت السرير.
ابني مد إيده، خدها، وفتحها.
وشفاه اتحركت وهو بيقرا في صمت.
فضلت أقرّب الزووم بإيد بترتعش.
وحاولت أقرأ…
بس الخط كان صغير.
وفجأة ابني بص للكاميرا.
بص مباشر.
وكإنه شايفني.
وقال بصوت واطي:
"مش قولتلك يا ماما؟"
صرخت.
قمت من السرير جري على أوضته.
فتحت الباب بعنف…
الأوضة كانت فاضية.
مفيش ورق.
مفيش حاجة.
ابني نايم.
نايم نوم عميق، زي ما يكون متصحاش.
هزّيته.
صحا مفزوع.
قلتله وأنا بعيط:
"الجوابات فين؟!"
بصلي بهدوووء مرعب وقال:
"
قلت:
"هو مين؟!"
قال:
"بابا."
وقفت.
ضحكت ضحكة هستيرية.
"بابا مسافر!"
بصلي نظرة شفقة…
وقال:
"بابا عمره ما سافر."
رجّعت التسجيل.
الليلة كلها…
مفيش حاجة.
ولا ورقة.
ولا حركة.
بس في آخر ثانيتين…
قبل ما التسجيل يخلص…
ظهر انعكاس في المراية.
راجل واقف ورايا.
لبس جوزي.
وشه.
نفس عينه.
الموبايل وقع من إيدي.
في اللحظة دي الباب خبط.
فتحت…
كان .
وشه أبيض.
وقال وهو بيبلع ريقه:
"إنتي جبتي الكاميرا منين؟"
قلت:
"إنت اللي ادهالي."
هز راسه برعب:
"لا…
الكاميرا دي كانت عند جوزك."
الدنيا لفّت بيا.
قال:
"هو كان شاكك فيكي من زمان…
وكان بيقول:
لو موت… هفضل وراها."
صرخت:
"إنت بتقول إيه؟!"
قال:
"جوزك مات من 3 شهور…
مش مسافر."
وقعت على الأرض.
ابني خرج من أوضته…
واقف في الضلمة.
وقال بهدوء:
"بابا زعلان منك قوي…
بس قال لو بطّلتي…
هيسيبك تعيشي."
بصّيت ورا ابني…
شُفت الورقة.
قريبة من رجلي.
فتحتها.
مكتوب بخط جوزي:
"آخر تحذير."
من الليلة دي…
حبيب اختفى.
ابني مبقاش يتكلم.
وأنا بطّلت
بس كل ليلة…
الساعة 3 إلا ربع…
بلاقي جواب جديد.مسكت الجواب وإيدي بتترعش، الورق كان تقيل ومصفر كإنه قديم، ريحته ريحة تراب وحاجه أقدم من البيت نفسه.
قعدت على الأرض، ضهري في الحيطة، وابني واقف قدامي ساكت، عينيه ثابتة عليّ من غير رمش.
قلتله بصوت مكسور:
"بابا فين دلوقتي؟"
رد بهدوء يخوّف:
"في كل حتة… بس أكتر مكان بيحب يقعد فيه أوضتي."
من الليلة دي وأنا بقيت أكره الليل.
أكره الساعة.
أكره الصمت.
كل يوم أصحى ألاقي جواب جديد.
مرة تحت المخدة.
مرة جوه الدولاب.
مرة في شنطة المدرسة.
والكلام دايمًا واحد…
اتهامات.
تفاصيل.
حاجات محدش يعرفها غيري أنا وحبيب.
عرفت ساعتها إن مفيش مهرب.
ولا إنكار.
ولا كدب.
حاولت أطلع من الشقة، أخد ابني ونمشي.
أول ما فتحت الباب لقيت جواب واقع قدام رجلي.
"مش هتمشي."
قفلت الباب وأنا بصرخ.
حضنت ابني، وهو لأول مرة يعيط.
قال وهو بيشهق:
"بابا بيزعقلي… بيقولي لو ما قلتلكيش هياخدني معاه."
قلبي اتقطع.
أنا السبب.
أنا اللي دخلت ابني في جحيم مالوش ذنب فيه.
في ليلة، قررت أواجه.
مش أهرب.
مش أستخبى.
قعدت في الصالة، نور الشقة كله طافي، الساعة قربت على 3 إلا ربع.
ابني نايم في حضني، مغمض عينه بالعافية.
الهواء تقّل.
ريحة برد ورطوبة.
والنور في المراية اتحرك.
ظهر.
واقف قدامي.
مش شبح…
مش ظل.
جوزي.
زي ما سابني.
نفس البدلة.
نفس النظرة اللي كنت بخاف منها.
قال بصوت واطي بس واصل لكل حتة:
"خنتيني في بيتي… قدام ابني."
عيطت.
اتوسلت.
"غلطت… والله غلطت… بس سامحني."
ضحك ضحكة خالية من الروح.
وقال:
"أنا سامحت… بس الحساب مش عندي."
بص لابني.
وقال:
"هو اللي شاف… وهو اللي اختار."
ابني فتح عينه.
بصله.
وبصلي.
وقال جملة عمري ما هنساها:
"بابا قالي لو ماما اختارت الصح… هيمشي."
قلت فورًا:
"أختار الصح… أعمل أي حاجة."
مد جوزي إيده.
والجواب وقع من الهوا في حضني.
مكتوب:
"الاعتراف."
تاني يوم الصبح، رحت لأهل جوزي.
اعترفت بكل حاجة.
كسرت نفسي.
كسرت سمعتي.
قلت الحقيقة كاملة.
الفضيحة كانت تقيلة.
الكلام كان زي السكاكين.
بس استحملت.
رجعت البيت.
ملقتش ولا جواب.
ولا الساعة رنت.
ولا أوضة ابني اتحركت.
عدّى أسبوع.
شهر.
سنة.
ابني رجع طفل عادي.
بيضحك.
بينام من غير كوابيس.
بس أنا…
كل ما أبص في المراية…
أشوفه ورايا.
مش بيكلم.
مش بيهدد.
بس مستني.