كنت هطلبله البوليس

لمحة نيوز

كنت هطلبله البوليس.. والله ما بهزر.

لما بتشتغل "شيفت ليلي" سنين طويلة زيي -من ١١ بليل لـ ٧ الصبح- بيبقى عندك "قرون استشعار" للمصايب.

ولما تلاقي شاب لابس سويت شيرت رمادي ومغطي راسه بالزعبوط، وعمال يلف بين الممرات الساعة ٣ الفجر وراسه في الأرض.. غصب عنك، جهاز الإنذار في دماغك بيشتغل.

أنا راجل عندي ٧٢ سنة. في السن ده، المفروض أكون قاعد ع القهوة، أو بصطاد سمك ع البحر، مش بوطي ضهري عشان أرص شكاير أكل كلاب ولا كراتين شيبسي. بس "المعاش" طار من سنين، والتأمين يدوب بيغطي العلاج، فكان لازم أنزل اشتغل في "الهايبر ماركت" ده، وأتعامل مع كل بلاوي الليل.. السكارى، الخناقات، والناس اللي تايهة في الدنيا.

بس الولد ده.. كان حكايته حكاية تانية.

أول مرة لمحته كانت في الكاميرات. بييجي كل تلات وخميس في نفس الميعاد بالظبط. يسحب "سلة" حمراء، ويبدأ يلف في المحل ببطء.. يعدي على الخضار، المخبز، اللحوم.. يمسك علبة المكرونة يقرأ المكتوب عليها كأنه بيقرأ رواية نجيب محفوظ! يبص ع السعرات، يبص ع السعر، ويرجعها مكانها تاني.

بيعمل كده مع كل حاجة.. الشامبو، البسكويت، حتى المعلبات.
وفي كل مرة، يلف يلف.. ويخرج من غير ما يشتري ولا "لبانة".
بعد شهر بحاله، قلت بس! الواد ده حرامي. أكيد بيراقب المكان، بيحفظ مواعيدنا، أو بيدور على نقطة الكاميرا مش جايباها. وفي ليلة قلت لنفسي: "يا عم (فرانك)، الليلة هنجيب قراره".

الساعة ٤ الفجر، وهو خارج وسلته فاضية زي كل مرة، وقفتله عند الباب.
حاولت أبان ناشف، وتقمصت شخصية "الفتوة" القديمة، وقلتله:
"يا ابني

إنت مشيت في المحل ده أكتر من الموظفين اللي شغالين هنا.. ناوي تشتري حاجة، ولا إنت جاي تعمل جرد للمحل؟"

كنت متوقع يجري.. يشتمني.. أو يألف أي كدبة.
بس اللي حصل إنه "كش" في نفسه.. اترعب كأني هضربه، ورفع إيده باستسلام وقال بسرعة وصوته بيترعش:
"أنا خارج والله.. ماختش حاجة.. ممكن تفتشني لو عايز."
ساعتها بس.. بصتله بجد.

مش نظرة شك.. نظرة أب.
الواد مكانش خطر.
ولا كان واثق من نفسه.
الواد كان "منتهي".
هالات سوداء تحت عينه، شفايفه مشققة من العطش، وجسمه نحيل كأنه عود قصب. يدوب عيل صغير، قد حفيدي بالظبط.
هديت نبرة صوتي وقلتله:
"أنا مش جاي أطردك.. أنا بس عايز أفهم، بتعمل إيه هنا كل يوم بسلة فاضية؟"
بص للكوتشي بتاعه، وبعدين بص للباب القزاز، وفي الآخر همس بوجع:
"عشان الدوشة."
استغربت.. "دوشة إيه؟"
شاور بإيده لبره، ناحية باركينج العربيات الفاضي والضلمة:
"بره الدنيا هدوء يخوف.. ولما بنام في عربيتي، أي صوت حركة بيصحيني مرعوب.. وكمان باب العربية الخلفي مابيقفلش كويس."
بلع ريقه وكمل:
"لكن هنا؟ النور.. المزيكا الهادية.. ريحة المخبوزات والفراخ.. بحس إني في (بيت). لما بمسك السلة وألف وسط الرفوف، الناس بتفتكر إني بتسوق عادي. لمدة ساعة إلا ربع، بقدر أمثل إني مش (مشرد).. وإني واحد عادي بيختار هيتعشى إيه النهاردة."
كلامه نزل عليا زي قالب طوب فوق راسي.

اسمه (جاكسون). ١٧ سنة. أمه ماتت من سنتين، وعمره ما عرف أبوه. ولما الإيجار غلي عليه، صاحب البيت طرده. الواد كان بيحاول يذاكر عشان ياخد "الثانوية" على واي-فاي المكتبة العامة، وبينام

في عربية مخلعة راكنها في أخر الشارع عشان خايف يروح الملاجئ.
هو مكانش بيراقب المحل عشان يسرق..
هو كان بيحاول يحس بإنسانيته اللي اتسرقت منه.
قلتله: "استناني دقيقة."

روحت غرفة الاستراحة، جبت "غدايا" اللي كنت مجهزه -ساندوتش رومي وتفاحة- وإزازة مية ساقعة.
اديتله الكيس وقلتله:
"كل تلات وخميس.. هستناك عند باب المخزن الخلفي الساعة ٣ ونص. ادخل لف في المحل براحتك.. ولو حد سألك بتعمل إيه، قولهم (أنا مستني جدي يخلص الشفت بتاعه).. أنا جدك من النهاردة."

الكلام ده كان من ٣ سنين.
طبعاً، إنت عارف الشغل، مفيش سر بيستخبى. بس ساعات "فضح السر" بيبقى نعمة.

(سارة) اللي في المخبز لاحظت إن أكلي بيختفي مرتين في الأسبوع، ولما عرفت الحكاية، بقت تتعمد تطلع عيش أو كرواسون زيادة وتقول "يوه، دي اتحمرت زيادة مينفعش تتباع" وتشيله لجاكسون.

عم (مجدي) بتاع الخضار بقى يعبيله كيس موز وبرتقال ويقولي "الواد محتاج فيتامين عشان يركز".
بقينا عصابة خير.. بنراقب عربيته، نخليه يدخل الحمام يغسل وشه، ونتأكد إن بطنه دافية.

لحد ما جت "التفتيش".

المديرة الإقليمية، (مدام جالاوي).. ست شديدة، ميري، وما بتهزرش.

في ليلة، دخلت غرفة الاستراحة لقت (جاكسون) قاعد بيذاكر في كتاب كنت أنا شاريهوله.
استدعتني المكتب.
دخلت وأنا مسلم أمري لله، ومجهز نفسي إني هسلم العهدة وأمشي.
سألتني بجمود: "هو ده الولد اللي بينام في العربية الفضي اللي بره؟"
قلت لها: "أيوه يا هانم.. ولو لازم حد ينطرد، اطرديني أنا.. زمايلي مالهمش ذنب، أنا اللي بدأت الموضوع."
بصتلي.. نظرتها مكانش فيها

غضب.. كان فيها حزن وتعب سنين.

قالت بصوت واطي:
"ابني عاش نفس التجربة.. فضل في الشارع شتا كامل.. ومقدرش ينجى ومات."

فتحت درج مكتبها، وطلعت استمارة توظيف.
قالتلي: "القانون بيمنع نعين حد ملوش محل إقامة.. بس أنا عندي أوضة فوق الجراج بستخدمها مخزن.. لو كتب عنوانها في البطاقة، الورق هيمشي. محتاجين عامل مخزن ليلي.. هيبدأ من يوم الاتنين.. وإنت اللي هتعلمه الشغل."

عمري ما شوفت شاب بيشتغل بقلب زي الواد ده. (جاكسون) كان بياكل الشغل أكل. حوش كل مليم، وخلص دراسته.

الشهر اللي فات، لبست بدلة وكرافتة -وده حدث تاريخي- وروحت قعدت في حفلة تخرجه من المعهد الفني.
لما نادوا اسمه: (جاكسون).. خريج بامتياز في هندسة التبريد والتكييف.
لما طلع يلقي كلمة الخريجين.. ما اتكلمش عن المذاكرة ولا المدرسين.
اتكلم عن "السوبر ماركت".

قال والدموع في عينه:
"لما بتكون فقير، بتبقى (شفاف).. الناس بتبص من خلالك عشان رؤيتك بتوجع ضميرهم. بس في ليلة، راجل عجوز شافني.. وبسببه، رجعت (مرئي) تاني، ورجعت بني آدم."
القاعة كلها كانت بتعيط.
بس اللي (جاكسون) ما يعرفوش.. إنه مكانش الأخير.
من ساعة ما هو وقف على رجله، إحنا كمان اتغيرنا. بقينا نشوف "الناس الشفافة".
الأم اللي بتلف بابنها عشان التكييف.. الراجل العجوز اللي بيقعد جنب الصيدلية عشان يسمع صوت ونس..
بقى عندنا نظام دلوقتي في المحل:
العلب "المخبوطة"، المخبوزات "البايتة"، جواكت الشتا اللي نسيها أصحابها..
بقينا بنجمعهم.. وعندنا ميعاد ثابت عند باب المخزن الخلفي.
(جاكسون) مشي.. بس دايماً فيه حد محتاج.
وكل

ده حصل.. لمجرد إني بطلت أحكم على "سلة فاضية"..
وسألت السؤال الوحيد المهم:
"إنت كويس يا ابني؟"

تم نسخ الرابط