في يوم عيد ميلادي
في يوم عيد ميلادي، وقفت قدّام الكل وعيني مورّمة ومتكدمة. الصالة كلها سكتت فجأة. ابني قال بكل فخر:
“دي مراتي… علمتها الأدب.”
مراته ابتسمت بسخرية.
وفجأة، أخويا قرّب من ابني وقال جملة واحدة قلبت الدنيا كلها.
الجزء الأول
مكنتش ناوية أحتفل بعيد ميلادي السنة دي.
خمسة وستين سنة كانوا تقيلين على قلبي، والحياة كانت مدياني أسباب كفاية إني أعدّي اليوم في هدوء ومن غير دوشة.
بس العيلة أصرت.
ابني أندرو قال إن الاحتفال “هيبقى كويس للكل”.
لبست أحسن لبس عندي.
حطّيت ميكب تقيل على الكدمة.
لفّيت شال على رقبتي.
وقعدت قدّام المراية أتدرّب على الابتسامة… لحد ما بقت شبه حقيقية.
بس ما كانتش.
أول ما دخلت الصالة، كانت مليانة بالونات، تورتة، وضحك…
الضحك مات في ثانية.
حد شهق.
حد بصّ في الأرض.
الكدمة اللي حوالين عيني الشمال كانت أوضح بكتير مما تخيلت، لونها بنفسجي داخل على أصفر، والكونسيلر ما غطّاش حاجة.
الصالة كلها سكتت.
حسّيت نفسي مكشوفة.
صغيرة.
ضعيفة.
قبل ما أنطق بحرف، أندرو
وقال بصوت عالي:
“دي مراتي.
علّمتها يعني إيه احترام.”
في ناس ضحكت ضحكة متوترة، فاكرينها هزار.
ميليسا ما ضحكتش.
ابتسمت ابتسامة مستفزة.
إيدي كانت بترتعش وأنا مسكة طرف الترابيزة.
أنا اللي ربّيت أندرو لوحدي بعد ما أبوه مات.
اشتغلت شغلانتين.
كنت بسيب نفسي جعانة عشان هو يشبع.
وقنعت نفسي إن الحب يعني صبر…
حتى لما ميليسا دخلت حياتنا، وبقت تصححلي، تقلل مني، وتعدّي حدودها واحدة واحدة.
بس اللي حصل ده؟
ولا حد كان متوقعه.
مش قدّام الناس.
ومش كده، وبالصوت العالي ده.
“كانت مستفزة دايمًا،” أندرو كمّل.
“بتتدخل في كل حاجة.
ميليسا بس خلّصت الموضوع.”
كنت عايزة الأرض تبلعني.
الكسرة لفّت على قلبي أكتر من الخوف.
لفّيت بعيني أدور على وش واحد بس…
حد يتكلم…
حد يعترض.
بس الكل كان متجمّد.
بين الصدمة والكسوف.
وفجأة، أخويا توماس وقف.
كان ساكت طول الوقت، قاعد في آخر الصالة، بيراقب بهدوء يخوّف.
مشي ناحية أندرو خطوة خطوة، ووقف
الهواء اتسحب من المكان.
توماس بصّ لابني، وقال بهدوء تام، وبصوت واضح سمعه كل اللي في الصالة:
“مبروك.
إنت كده اعترفت بجريمة ضرب قدّام شهود.”
السكوت اللي جه بعدها…
ما كانش سكوت عادي.
كان سكوت تقيل.
مشحون.
ومن اللحظة دي…السكوت كان تقيل لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي.
أندرو حاول يضحك ضحكة بايخة وقال:
“إيه يا خالو؟ بتهزر؟”
توماس ما ابتسمش.
طلع موبايله بهدوء، ورفع عينه وقال:
“لا. مش بهزر.
والأجمل من كده إن في تسجيل.”
الصالة اتقلبت همهمة.
ميليسا اتشدّت، ووشّها شحب.
“تسجيل إيه؟” قالت وهي بتحاول تمسك إيد أندرو.
توماس ضغط زرار، وصوتها طلع واضح…
وهي بتصرخ فيا،
وهي بتقولي:
“لو ما سمعتِيش الكلام، هخلّي ابنك يشوفك في السرير.”
وبعدها صوت خبطة…
وصوتي وأنا بعيط.
حد صرخ.
حد حط إيده على بُقه.
وأندرو بقى واقف مش عارف يتكلم.
توماس قال بهدوء قاتل:
“أنا كنت جاي أزور أختي.
سمعت الزعيق.
سجلت كل حاجة.
واستنيت اليوم ده…
عشان ما حدش يقدر يقول إنها كذبة.
ميليسا حاولت تبرر:
“كانت بتستفزني!
بتتدخل في حياتنا!”
توماس رد عليها من غير ما يعلي صوته:
“حتى لو.
ما حدش ليه حق يمد إيده على ست عندها 65 سنة.”
وبص لأندرو، وقال الجملة اللي كسرتني أنا قبل ما تكسره هو:
“وأنت…
كنت واقف بتتفرج.”
أندرو وقع على الكرسي.
وشه اتغّير.
صوته طلع مكسور:
“أنا… أنا ما كنتش فاكرها هتوصل لكده.”
ضحكت ضحكة وجعتني.
قلت لأول مرة بصوت عالي:
“وأنا ما كنتش فاكرة أربي ابني عشان يبيعني.”
الصالة انفجرت.
حد طلب الشرطة.
حد خد ميليسا بعيد.
وهي بتصرخ:
“إنتِ اللي بوّظتي بيتك بإيدك!”
وأنا مسحت دمعتي وقلت:
“لا…
إنتِ اللي علّمتيني إن السكوت مش احترام.”
بعدها بساعات،
كنت قاعدة في بيت أخويا، شاي سخن في إيدي،
والكدمة لسه موجودة…
بس لأول مرة ما حاولتش أخبيها.
أندرو جه بعدها بأيام.
كان واقف على الباب، عينه في الأرض.
قال:
“سامحيني يا أمي.”
بصّيتله، وقلت بهدوء:
“أنا سامحت نفسي الأول…
عشان سكت.”
قفلت الباب.
يمكن خسرت ابني.
بس كسبت نفسي.
وكسبت عمري اللي فاض.
وأتعلمت حاجة واحدة متأخرة…
بس حقيقية:
الاحترام ما بيتفرضش بالضرب…
والأم اللي تسكت على إهانتها،
بتعلّم اللي حواليها إزاي يهينوها.