استدعاها إلى مكتبه
جلست على المقعد المقابل له، جسدها متيبّس، أنفاسها متقطعة، وعقلها يركض في ألف اتجاه. ظل واقفًا للحظات، ثم عاد ببطء إلى مقعده خلف المكتب، أسند ظهره، وأطفأ السيجار في المنفضة بعنف.
ساد الصمت من جديد، صمت أثقل من سابقه.
قال أخيرًا بصوت منخفض لكنه حاد: _ أنا مش همشيكي من هنا ولا همس إيد عليكي. بس قبل ما تقومي تخرجي وتكسري كل حاجة وراكي، لازم تسمعي.
رفعت عينيها إليه بحذر، لم تتكلم.
_ العرض اللي اتكلمت عنه مش زي ما انتي فاهمة. ولا عمره كان قلة أدب زي ما دماغك صورلك.
ضحكت بمرارة: _ دماغي؟! حضرتك قافل الباب ومهددني!
قبض على حافة المكتب: _ قفلت الباب عشان ما تمشيش وإنتي فاكرة إنك اتعرض عليكي حاجة قذرة. أنا غلطت في الطريقة، أيوه. بس مش في القصد.
سكتت، قلبها يخبط بقوة.
_ أنا عرضت عليكي شراكة. حقيقية. مش وظيفة. مشروع كامل باسمك واسمي.
رفعت حاجبيها بدهشة: _ شراكة؟!
_ أيوه. انتي شغلك خلال الشهر اللي فات ده كان أكتر من أي حد هنا. أفكارك، إدارتك، تعاملك مع العملاء… أنا مش غبي عشان ما أشوفش ده.
تنفست بعمق، شيء ما في نبرته تغيّر، لكن الغضب ما زال يعميها: _ ولو ده حقيقي، ليه الطريقة؟ ليه الأسلوب؟ ليه تحطني في موقف يخليني أحتقرك بالشكل ده؟
مرّر يده على وجهه بتوتر: _ لأنّي متعود إن اللي قدامي بيسمع. بينفذ. ما بيعاندش. وانتي أول واحدة تقول لا.
صمتت، ثم قالت بهدوء موجوع: _ وده مش مبرر.
أومأ ببطء: _ معاك حق.
كانت تلك أول مرة تسمع منه اعترافًا.
_ بس اللي عملتيه برضه مش قليل. صڤعة قدام كرامتي.
وقفت فجأة: _ كرامتك؟! وأنا؟! أنا إيه؟ موظفة تتشد وتتهدد؟
وقف هو الآخر: _ قلتلك مش هأذيكي.
_ الأذى مش دايمًا
تقدمت خطوة نحو الباب، فتراجع هو خطوة للخلف وفتح الطريق: _ الباب مفتوح. تقدري تمشي دلوقتي.
ترددت. شيء ما بداخلها كان يصرخ أن لا تنهي الأمر هكذا.
استدارت إليه: _ ولو مشيت؟
_ هتفضلي فاكرة إنك كنتي ضحية موقف مش مفهوم. وأنا هفضل شايفك ضيعتي فرصة كبيرة بسبب سوء فهم وغضب.
عاد الصمت.
جلست مرة أخرى، هذه المرة بإرادتها.
_ اتكلم.
تنهد: _ المشروع ده كنت محضّرله من سنة. محتاج حد زيه زيك. مش تابع. شريك. بس لما شفتك، لقيت نفسي بتعامل من فوق لتحت. وده غلط.
نظرت للأرض: _ أنا اتجرحت. الطريقة خلتني أحس إني ولا حاجة.
_ وأنا اعتذر عن ده.
رفعت رأسها فجأة: _ اعتذار؟
_ أيوه. اعتذار صريح.
لم تصدق أذنيها.
_ بس الاعتذار مش كفاية. الثقة اتكسرت.
أومأ: _ عارف. وعشان كده مش هضغط عليكي. العرض لسه موجود، بس القرار قرارك. من غير تهديد. من غير أوامر.
وقفت ببطء: _ وأنا محتاجة وقت. أكتر من أسبوع.
_ خدي اللي تحتاجيه.
توجهت للباب، فتحت المقبض، ثم توقفت: _ حاجة أخيرة.
_ اتفضلي.
_ اللي حصل النهارده… لو اتكرر مع أي حد تاني… انت هتخسر كتير.
نظر إليها بعمق: _ مش هيحصل.
خرجت، وهذه المرة خرجت مرفوعة الرأس.
مرت أيام. ثم أسابيع. لم تعد إلى الشركة فورًا. فكرت. راجعت نفسها، غضبها، خوفها، وطموحها. لم تكن سهلة. لكنها لم تكن ضعيفة.
وفي صباح هادئ، دخلت المبنى مرة أخرى، لا كموظفة خائفة، بل كامرأة تعرف قيمتها.
وقف حين رآها، لم يبتسم، لم يقترب، فقط قال: _ أهلا.
قالت بثبات: _ قراري جاهز.
_ سامعك.
_ أنا موافقة… بس بشروطي.
رفع حاجبيه: _ قولي.
_ عقد واضح. صلاحيات متساوية. واحترام متبادل. وأي تجاوز… أنا بمشي من غير نقاش.
مد يده نحو الملف: _ كله مكتوب.
وقّعت.
لم تكن نهاية سهلة، لكنها كانت بداية
بداية مبنية على حدود، لا خوف.
وعلى قوة، لا خضوع.