بعنا البيانو بتاعك
بعنا البيانو بتاعك بخمسمية دولار. محتاجين الفلوس."
الرسالة دي كانت من أخويا.
فضلت باصص في الموبايل شوية.
البيانو ده كان معايا من وأنا عندي 13 سنة.
واقف في ركن من صالة بيتنا القديم، خشبه غامق ولمعانه باين من كتر ما اتعزف عليه سنين طويلة بإيدين فاهمة الموسيقى أكتر ما فاهمة الكلام.
ده كان الحاجة الوحيدة اللي جدي سابهالي.
مش ساب لأخويا.
ولا لأهلي.
سابها لي أنا بس.
كتبتله الرد على مهلي:
"فاهم."
الرد جه بسرعة غريبة:
"كويس. أخيرًا عرفت مكانك."
تخيلته وهو بيضحك بسخرية، حاسس إنه كسب حاجة.
بالنسبة له، أنا دايمًا الشخص اللي سهل يتشال من المعادلة—
الموسيقي الفاشل،
الأخ الهادي،
اللي عمره ما بيعترض،
ولا بيقاوح لما القرارات تتاخد من غيره.
هو ما كانش يعرف إن البيانو ده ستاينواي موديل D سنة 1925،
متجدد،
ومتوثق،
ومتأمن عليه.
وما كانش يعرف إن تمنه 2.8 مليون دولار.
وأنا… ما قلتلوش.
لأن أحيانًا السكوت مش ضعف.
السكوت… سماح.
حطيت الموبايل على الترابيزة،
وقفت عند الشباك،
واستنيت.
بعد نص ساعة بالظبط،
الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت بهدوء:
"ألو؟"
الصوت اللي على الخط التاني كان بيرتعش:
"هو… هو حضرتك صاحب البيانو الستاينواي اللي اتباع حالًا؟"
قلت بهدوء:
"أيوه."
خد نفس حاد وقال:
"إنت عندك أي فكرة أخوك عمل إيه؟"
قفلت عينيّ.
وقلت:
"أيوه. عارف."
وفي اللحظة دي…
عرفت إن اللعبة دخلت
أبرد…
وأقسى مرحلة فيها.قال بصوت مبحوح:
"البيانو ده مسروق."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"لا. البيانو ده
سكت شوية، وبعدين قال بسرعة:
"إحنا وقفنا البيع فورًا. المبلغ اتحجز. وفي بلاغ اتسجل بالفعل."
قعدت على الكرسي، حاسس لأول مرة إن قلبي ثابت.
"بلاغ؟ من مين؟"
قال:
"من دار المزادات نفسها. لما دخل الرقم التسلسلي في السجل الدولي، طلع البيانو متبلغ عنه كقطعة تراث موسيقي نادرة. أي عملية بيع لازم تتم بموافقة المالك المسجل."
قفلت المكالمة وأنا هادي… هدوء يخوف.
بعد ساعة، أخويا اتصل.
صوته كان متغير.
مش واثق.
مش متحكم.
"إنت عملت إيه؟!"
قلت بهدوء:
"ولا حاجة."
صرخ:
"الشرطة كانت هنا! بيقولوا إني بعت حاجة مش بتاعتي!"
ضحكت ضحكة قصيرة.
"غريبة… مش إنت اللي قلتلي أخيرًا عرفت مكاني؟"
سكت.
كملت:
"المكان الحقيقي يا أخويا…
بعدها بيومين،
القضية اتحولت رسمي.
تزوير.
تصرف في ممتلكات الغير.
محاولة بيع قطعة فنية نادرة بدون تصريح.
أهلي حاولوا يتواصلوا.
مرة.
اتنين.
عشرة.
ما رديتش.
وفي الجلسة،
وأخويا واقف قدام القاضي،
وشه شاحب،
وعينيه مليانة خوف،
القاضي سألني:
"حضرتك المالك الشرعي للبيانو؟"
طلعت الأوراق.
التوثيق.
الوصية.
التأمين.
قلت بهدوء:
"أيوه."
الحكم نزل تقيل.
غرامة.
سجل جنائي.
وخسارة الشغل.
بعدها بشهر،
رجّعولي البيانو.
رجع واقف في بيتي الجديد.
نفس الخشب.
نفس اللمعة.
لكن الإحساس كان مختلف.
قعدت قدامه.
حطيت إيدي على المفاتيح.
وعزفت أول نغمة.
ساعتها فهمت حاجة واحدة:
أنا
ولا لأن أخويا غلط.
أنا كسبت
لأني سبتهم يفتكروا
إن سكوتي ضعف…
لحد ما السكوت
بقى الحكم.