خطيبي
شوفت خطيبي…
كان واقف قدام أبويا، ضهره مفرود بس عينيه مكسورة.
سكت شوية، سكات طويل خلّى قلبي يدق لحد ما وجعني صدري.
بعدين قال بهدوء غريب:
«أنا مصدق كل كلمة… بس مش قادر أكمل.»
الكلمة وقعت تقيلة.
مش قادر أكمل.
ولا زوّد، ولا شرح، ولا دافع عن نفسه.
قام وقف، سلم على أبويا، وبص لأمي نظرة احترام، وقال:
«ربنا يعوضكم خير.»
وخرج.
ساعتها حسيت إني اتعريت بجد.
… روحي.
وقعت على الأرض، وأنا سامعة صوت أمي بتصرخ، وأبويا بيقولي:
«قومـي يا بنتي… قومـي.»
بس أنا ماكنتش قادرة.
كنت حاسة إني اتدفنت وأنا عايشة.
عدّى أسبوع…
وبعدين شهر…
والناس بدأت تتكلم.
كل واحد عنده رواية، وكل واحدة عندها تحليل.
وأنا؟
أنا قفلت على نفسي الأوضة.
لا خروج، لا مرايات، لا تليفون.
كنت بخاف أبص في وشي، أحسن أشوف الكذبة مكتوبة على ملامحي.
أبويا
كان يدخل يقعد جنبي من غير كلام.
يحط الأكل ويمشي.
وأوقات يفضل قاعد ساكت، ويمسح دموعه قبل ما ألاحظ.
أبويا كبر عشر سنين في شهر واحد.
أمي كانت مختلفة.
مكسورة وغضبانة في نفس الوقت.
كانت شايفاني ضحية…
وفي نفس الوقت شايفاني سبب.
كانت تقول:
«ليه عملتي في نفسك كده؟»
وأنا مكنتش عارفة أرد.
لأني لو قلت الحقيقة، كل حاجة هتنهار.
البلاغ اتقفل.
الضابط اعتذر.
قال:
«عملنا اللي نقدر عليه.»
وأبويا شكره.
بس وأنا خارجة من القسم حسيت إن كل خطوة بتمشيها رجلي تقيلة، كإني ماشية فوق كذبة أكبر مني.
عدّى سنة.
وسنة تانية.
وأنا زي ما أنا.
مش قادرة أفرح، ومش قادرة أزعل.
لا قادرة أنسى، ولا قادرة أواجه.
عايشة في النص…
نص واحدة بريئة في نظر الناس،
ونص واحدة شايلة ذنبها لوحدها.
وفي يوم…
وأنا ماشية في الشارع،
قلبي وقف.
إيدي رعشت.
افتكرت كل حاجة.
افتكرت إني لما سابني، حسيت إني اتحطيت في فراغ، وإن الكذبة كانت طوق نجاة، مش جريمة.
رجعت البيت وأنا مخنوقة.
دخلت أوضتي، وقعدت أعيط زي العيال.
أول مرة من سنين أعيط بجد.
مش تمثيل.
مش خوف.
ندم.
قررت ساعتها إني لو كملت كده هموت.
مش جسديًا…
روحي هتموت.
بعد شهور، اتقدّملي واحد.
كان هادي.
مش فضولي.
مش مستعجل.
اتكلم معايا كإنسانة، مش مشروع زوجة.
وأنا كنت مرعوبة.
كل كلمة يقولها كنت بسأل نفسي:
لو عرف؟
لو شك؟
لو سابني؟
اتخطبنا.
وكل يوم كنت بحس إني بخونه.
مش عشان الماضي…
عشان الكذبة.
قبل الجواز بأسبوعين…
طلب يقعد معايا لوحدنا.
قال:
«حاسس إن في حاجة مستخبية.»
ساعتها حسيت إن الدنيا بتلف.
يا أقول…
يا أكمّل وأفضل أهرب طول عمري.
حكيت.
كل حاجة.
من الأول للآخر.
من غير دموع.
من غير تجميل.
قلت الحقيقة زي ما هي، حتى الجزء اللي بيكسّر صورتي.
سكت.
سكات طويل.
أطول من سكات الأول.
وبعدين قال:
«اللي حصل زمان غلط…
بس اللي عملتيه بعده كان خوف، مش شر.»
قلتله:
«ممكن تمشي.»
قال:
«ممكن… بس مش دلوقتي.»
عدّى أيام.
كنت مستنية القرار.
جاهزة للخسارة.
المرة دي بصدق.
رجع وقال:
«أنا مش ملاك…
بس مش هعيش على كذبة.
لو هنكمّل، هنكمّل على نور.»
اتجوزنا.
مش كل يوم كان سهل.
في أيام كنت بشوف الشك في عينيه.
وفي أيام كنت أنا اللي شكاكة.
بس كنا بنتكلم.
وكل مرة الحقيقة كانت بتنقذنا.
أبويا مات بعدها بسنة.
مات وهو مطمّن.
آخر كلمة قالهالي:
«الصدق وجعك…
بس خلاكي تعيشي.»
النهارده، لما أبص ورايا،
مش فخورة بالكذبة،
بس فاهمة ليه حصلت.
أحيانًا الإنسان لما يتحاصر،
بيختار أقرب طريق للنجاة،
حتى
دي حكايتي.
مش عشان تبرير.
ولا عشان شفقة.
عشان اللي زيي يعرفوا
إن الهروب بيأجّل الوجع…
بس المواجهة هي اللي بتخلصه