احضر خطيبته
دخلت بعد عشر دقائق بالضبط.
لم يُعلن أحد عن وصولها، لم تُفتح الأبواب بطريقة مسرحية، فقط انفرج باب القاعة بهدوء، ودخلت نورا الدمنهوري.
زوجته.
لم تكن ترتدي الأحمر، ولا الأسود، بل فستانًا بلون العاج، بسيط القصّة، ناعم الحضور، ينساب على جسدها دون تكلّف، كأنه صُمم ليُشبهها لا ليُلفت النظر إليها. شعرها مرفوع بعناية، لا خصلة شاردة ولا زينة زائدة، وابتسامتها… تلك الابتسامة التي لا تُفسَّر بسهولة؛ ليست تحديًا صريحًا، ولا ألمًا مكبوتًا، بل يقينًا هادئًا، يقين امرأة عرفت متى تصمت، ومتى تدخل، ومتى تنهي كل شيء دون ضجيج.
اليقين وحده يُسكت القاعات.
توقفت الهمسات فجأة، كأن أحدهم أغلق زر الصوت دفعة واحدة. تحولت العيون من سامي ولارا إلى المرأة القادمة، خطوة بخطوة، وكأن الأرض نفسها تفسح لها الطريق. لم تُسرع، ولم تتباطأ، مشيتها ثابتة، محسوبة، لا تبحث عن لفت الانتباه، ومع ذلك كانت كل الأنظار مشدودة إليها دون مقاومة.
شعر سامي بشيء بارد يمر في عموده الفقري. إحساس غريب، خليط من الدهشة والإنكار والخوف. لم يلتفت فورًا، كأن تجاهلها قد يُبقيها وهمًا، صورة عابرة صنعها توتره. لكنه شعر بها قبل أن يراها، شعر بثقل حضورها الذي يعرفه جيدًا، ذلك الحضور الذي عاش سنوات يحاول التقليل من شأنه، حتى صدّق كذبته.
لارا هي من شدّت ذراعه هذه المرة، لا بقوة، بل بتوتر
— سامي… دي…؟
لم يُجب. كان قد رآها.
رآها كما لم يرها منذ سنوات؛ ليست الزوجة التي تركها في الظل، ولا المرأة التي اعتقد أنها انهزمت بصمت، ولا تلك التي ظنّ أنها ستظل حبيسة البيت والذكريات. كانت مختلفة، أقوى، أهدأ، وأكثر اكتمالًا من أي صورة رسمها عنها في رأسه ليبرر غيابه وخيانته.
تقدمت نورا بثبات، لا تبحث عنه بعينيها. كانت تبحث عن المنصة، عن المكان الذي يليق بالحقيقة. حيّت بعض الوجوه المعروفة، ابتسامات قصيرة، احترام متبادل، نظرات فهم صامتة. كثيرون في القاعة يعرفونها، يعرفون عقلها، وهدوءها، وذكاءها الذي لا يُستعرض.
صعدت إلى المسرح قبل أن يعلن مقدم الحفل الفقرة التالية.
ارتبك المنظمون، تبادلوا نظرات سريعة، همس أحدهم للآخر، فهزّ رأسه موافقًا. الجميع يعرف من تكون نورا… ويعرفون أيضًا أنها لا تصعد مكانًا إلا ولديها سبب، ولا تتقدم خطوة إلا وهي تعرف نهايتها.
أمسكت بالميكروفون، لم تختبر صوته، لم تسعل، لم تتنحنح. نظرت للحضور نظرة شاملة، كأنها تقرأ الوجوه واحدًا واحدًا، ثم قالت بصوت هادئ وواضح، لا يحمل أي ارتجاف:
— مساء الخير. أعتذر عن المقاطعة، لكن بما أن هذه الليلة تحتفي بـ«الإنجاز الحقيقي»، شعرت أن من واجبي أن أشارككم حقيقة صغيرة… لكنها مؤجلة منذ وقت طويل.
سرت قشعريرة خفيفة في القاعة. بعضهم اعتدل في جلسته، وآخرون تبادلوا نظرات
التفتت نورا بعينيها أخيرًا نحوه. لم تكن نظرة غضب، ولا شماتة، بل نظرة وداع صافية، كأنها تُغلق بابًا ظل مفتوحًا أكثر مما ينبغي.
— شركة الدمنهوري للاستثمار، التي يُكرَّم مؤسسها الليلة، أصبحت منذ صباح اليوم مملوكة بالكامل لمجلس إدارة جديد… بعد استحواذ قانوني كامل.
توقف الزمن.
لم يُسمع صوت شوكة، ولا همسة، ولا حركة. كأن الهواء نفسه تجمّد.
— وأنا… — ابتسمت ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى — أرأس هذا المجلس.
شهقة مكتومة خرجت من أكثر من طاولة. بعض الوجوه شحب لونها، أخرى اتسعت عيناها دهشة. لارا سحبت يدها من ذراع سامي دون وعي، خطوة صغيرة إلى الخلف، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها. أما سامي، فبدا كمن ضُرب دون أن يُمس، جسده قائم، لكن داخله ينهار طبقة بعد أخرى.
أكملت نورا بصوت ثابت، لا يحمل انتصارًا صاخبًا، بل حسمًا نهائيًا:
— لا داعي للقلق، كل شيء تم وفق القانون. الشراكات، الأسهم، التوقيعات، المراجعات… ربما كان البعض مشغولًا بأمور أخرى، فلم ينتبه للتفاصيل الصغيرة.
تفاصيل صغيرة… تلك التي أهملها سامي لسنوات، معتقدًا أنها لن تتحول يومًا إلى سكين حاد.
أغلقت نورا الميكروفون، لم تنتظر تصفيقًا، ولم تنظر للخلف. نزلت من المنصة كما صعدت: بلا استعجال، بلا استعراض، بلا رغبة في
مرّت بجواره.
كانت المسافة بينهما أقل من متر، لكنها بدت كمسافة عمر كامل. توقفت نصف ثانية فقط، مالت قليلًا، وقالت بصوت لا يسمعه سواه:
— … الغفلة هي التي تفعل.
لم تنتظر ردًا، ولم تلتفت لترى أثر كلماتها. أكملت طريقها نحو باب القاعة، بخطوات ثابتة، وكأنها خرجت من عبء ثقيل كانت تحمله سنوات.
لم يصفق أحد فورًا. كانوا جميعًا يحاولون استيعاب ما حدث، إعادة ترتيب المشهد، فهم كيف انقلبت الأدوار في دقائق. ثم بدأ التصفيق، بطيئًا في البداية، ثم أعلى، ثم ممتدًا… تصفيقًا لنورا، لا للحفل، ولا للجائزة، ولا للأسماء اللامعة التي فقدت بريقها فجأة.
أما سامي، فظل واقفًا في مكانه. بذلته الأنيقة لم تعد تحميه، وابتسامته المحفوظة اختفت، وسمعته اللامعة تشققت في دقيقة واحدة. أدرك متأخرًا أن كل ما بناه كان قائمًا على افتراض خاطئ: أن نورا لن تتحرك، وأن صمتها ضعف، وأن وجودها مضمون.
ولارا؟
كانت قد اختفت بين الطاولات، فالأضواء لا تحب من يضيء بها مؤقتًا. تركت خلفها فستانًا أحمر لم يعد يلفت نظر أحد، وحضورًا ذاب بمجرد أن ظهر الأصل.
وفي تلك الليلة، لم تستولِ نورا على القاعة فقط…
بل استردّت اسمها، قصتها، كرامتها، وكل ما ظنّ الآخرون أنه ضاع بصمت.
خرجت من الفندق إلى هواء الليل البارد، استنشقت نفسًا عميقًا، وابتسمت لنفسها، لا لأن المعركة انتهت، بل لأنها