تبنت مدرسة بسيطة
تبنّت مُدرّسة بسيطة أخين توأم كانوا ملهمش حد في الدنيا. لا فلوس، ولا سند، ولا ظهر… غير قلبها. ربّتهم سنة ورا سنة، بتعب وحرمان، لحد ما كبروا وبقوا طيّارين.
وفي اللحظة اللي المفروض تبقى أسعد لحظة في حياتهم… أمّهم الحقيقية رجعت، ومعاها 10 مليون جنيه، وبتقول بمنتهى البرود:
“ده تمن السنين اللي ربّيتهم فيها… وأنا جاية آخد ولادي.”
المُدرّسة دي كانت عايشة لوحدها في أوضة قديمة في سكن مدرسة مهجور على أطراف المدينة. مرتب ضعيف، أكل بسيط، وليل طويل من التعب. بس عمرها ما اشتكت.
قلبها كان دايمًا سابق إمكانياتها.
في عصر يوم مطر تقيل، على سُلّم مركز صحي، شافت طفلين توأم ملفوفين في حتة قماش خفيفة، بيعيطوا من البرد والخوف. جنبهم ورقة متكرمشة مكتوب فيها:
“سامحوني… مش قادرة أكمّل.”
شالتهم في حضنها، وفي اللحظة دي قررت من غير ما تفكر… دول بقوا
سنين عدّت وهي بين شغل المدرسة، وطبخ على قدّه، وبيع يانصيب في الشارع، ولمبة جاز بتنور ليالي المذاكرة.
هي ما اشترتش لنفسها حاجة، بس فتحت لهم طريق للمستقبل.
كبروا.
واحد شاطر في الحساب.
والتاني بيحلم بالسما، ودايمًا يسألها:
“يا ميس… هو الطيارة بتطير ليه؟”
فترد بابتسامة:
“عشان الأحلام لو كانت صادقة… بترفع صاحبها.”
اليوم اللي الاتنين اتقبلوا فيه في مدرسة الطيران، عيطت طول الليل.
مش من الفرح بس… من إحساس إن تعب العمر ما ضاعش.
بعد 15 سنة، في مطار مليان نور وزحمة، طيّارين شباب واقفين قدّام ست شعرها شاب ووشّها مليان خطوط عمر. كانت لسه هتتكلم…
بس ست تانية قطعت اللحظة.
عرّفت نفسها إنها الأم الحقيقية. حكت عن فقر وندم وقرار صعب.
وفي الآخر طلعت ظرف تقيل، حطّته على الترابيزة:
10 مليون جنيه.
وقالت:
“ده حساب السنين اللي فاتت… وأنا
المطار كله سكت.
ولا نفس بيتسمع.
الأخ الكبير مدّ إيده، مسك الظرف، وبص لأخوه، وبص للست اللي ربّتهم، وبعدين رفع عينه ناحية الأم الحقيقية…
فتح بُقه عشان يتكلم…
والكلمة اللي قالها غيّرت كل حاجة.
فتح بُقه وقال بهدوء، بس صوته كان تقيل زي الحكم الأخير:
"حضرتِك جاية تشتري إيه بالظبط؟"
الأم الحقيقية اتلخبطت، وقالت بسرعة: "ولادي… أنا أمهم، والفلوس دي تعويض عن السنين."
الأخ التاني قرّب خطوة، وبص للمدرّسة، كانت واقفة ساكتة، إيديها بتترعش، وعينيها مكسورة… كأنها مستعدة تخسر كل حاجة في لحظة.
قال: "إحنا اتولدنا مرتين… مرة من بطنك، ومرة من قلبها."
وسكت شوية، وبعدين كمّل: "حضرتِك سيبتينا عالسُلّم.
هي شالتنا على كتفها.
حضرتِك غبتي سنين…
هي كانت موجودة كل يوم، حتى وهي تعبانة وجعانة."
الأخ الكبير حط الظرف على الترابيزة، وزقه ناحية
إحنا مش للبيع."
المطار اتقلب همس وبُكاء مكتوم.
الأم الحقيقية حاولت تتكلم، بس صوتها خانها. لأول مرة تحس إن العشرة مليون ولا حاجة قدّام سنين الحرمان اللي ما كانتش فيها.
المدرّسة قالت بصوت واطي: "أنا عمري ما كنت أمكم على الورق…
بس كنت بخاف عليكم أكتر من نفسي."
الولد اللي كان دايمًا يسأل عن السما قرّب منها، نزل على ركبته قدّام الناس كلها، ومسَك إيدها وباسها: "إنتِ أمّنا…
والسما اللي وصلناله، كان بسببك."
الأخ الكبير لف دراعه حواليها وقال: "من النهارده، مفيش أوضة قديمة،
ولا لمبة جاز،
ولا حرمان."
وأشار على الطيارة اللي وراهم: "ده بيتك…
وأي مكان نروحه، إنتِ معانا."
الأم الحقيقية خرجت من المطار لوحدها، ومعاها الفلوس…
بس من غير ولاد.
أما المدرّسة، فطلعت أول مرة في حياتها طيارة،
قاعده بين ولادها،
وهي
"طلعتي فعلًا يا أحلام…
وما وقعتِش."