دخلت حفلة عيد ميلاد

لمحة نيوز

دخلت حفلة عيد ميلاد مرات أبويا وأنا عاملة نفسي مكسّرة وتعبانة… عن قصد.
لابسة معطف واسع زيادة عن اللزوم.
جزمة قديمة.
ولا دبلة، ولا سلسلة، ولا أي حاجة تلمع.
حتى وقفتي كنت مميلة شوية، كأن الدنيا تقيلة عليّا اليومين دول.
هي بتحب المظاهر.
وما بتحترمش غير اللي باين عليه الفلوس.
الحفلة كانت في مزرعة كبيرة برّه البلد. شيك… بس مش قوي زي ما هي فاكرة.
ترابيزات طويلة، موسيقى هادية، نبيذ غالي،
وعيلتها ماليين المكان ضحك… الضحك اللي تحسّه دايمًا فيه شراسة، كأنه معمول عشان يجرح حد أضعف.
أول ما دخلت، العيون كلها اتلفت ناحيتي.
مرات أبويا، فيفيان، مالت على أختها، ولا حتى حاولت توطي صوتها:
"بصي… الحمل الصغير القذر وصل."
ضحكوا.
واحد بصلي، وبعدين بص بسرعة في الأرض.
وأنا؟
ولا كلمة.
ابتسمت ابتسامة مهذبة.
سلمت على أبويا.
خدت كوباية مية بدل النبيذ.
لعبت الدور صح…
الطفلة المنسية.
العبء القديم.
الغلطة اللي بتفكرها بماضي عمرها ما عجبها.
سنين وهي بتفهمني

مكاني كويس.
تعليق على لبسي.
سخرية من شغلي.
تلميحات عن “قلة طموحي”.
في أي تجمع عيلة؟
موجودة… بس مش مرحّب بيا.
والليلة دي، واضح إنها كانت حاسة بالأمان كفاية إنها تبقى قاسية على الآخر.
وما تلومهاش.
هي كانت فاكرة إني محتاجاها.
فاكرة إن البيت ده بيتها.
فاكرة إني مجرد ضيفة معدّية في عالمها.
بس اللي ما كانتش تعرفه…
ولا حد على الترابيزة دي كان يعرفه…
إن المكان اللي واقفين فيه ده
مش إيجار.
مش استعارة.
ومش باسمها.
العقد اتنقل في هدوووء…
من تلات سنين.
باسمي أنا.
قعدت في آخر الترابيزة.
سمعت فيفيان وهي بتتلذذ بالاهتمام،
تستقبل المجاملات،
وتقول كلمة عن “العيلة” و“الامتنان”.
وأبويا جنبها، مبتسم…
وهو مش عارف إن الأرض اللي واقف عليها
بتتزحزح من تحت رجليه.
ما استعجلتش.
لأن في حقايق
مش محتاجة عصبية.
محتاجة توقيت.
والتوقيت ده
كان قرب…
بطريقة عمرهم ما هينسوها.فضلت قاعدة أراقب.
فيفيان كانت في قمة مجدها.
فستانها لامع، ضحكتها عالية، بتحبّس الجو
حوالين نفسها كأنها الملكة المتوّجة.
كل شوية حد يرفع كاسه ويقول كلمة حلوة… وهي تهز راسها بثقة واحدة فاكرة إن الدنيا كلها تحت رجليها.
وأنا؟
كنت شبح.
ولا حد واخد باله إني موجودة…
وده كان أحسن سيناريو.
لحد ما صاحب المزرعة — أو بالأدق، المدير — قرّب من الترابيزة الرئيسية.
شاب هادي، ماسك ملف جلدي في إيده.
وقف وقال بصوت محترم:
"لو تسمحوا دقيقة… في إجراء بسيط محتاجين نخلّصه قبل ما نكمّل الحفلة."
فيفيان اتضايقت.
كرهت أي حاجة تقطع الضوء عنها.
قالت ببرود: "إجراء إيه؟ احنا في نص الاحتفال."
ابتسم، وبص ناحيتي.
سكت المكان.
قال: "الإجراء ده خاص بمالكة العقار."
العيون كلها اتلفت…
مش ناحيتها.
عليّا أنا.
فيفيان ضحكت ضحكة قصيرة مستفزة: "أكيد فيه لَبس… أنا صاحبة المكان."
المدير فتح الملف، وطلع العقد.
وقال بهدوء قاتل: "العقد باسم الآنسة… من ثلاث سنوات. موثّق ومسجّل رسمي."
وشاور عليّ.
في اللحظة دي…
السكوت كان تقيل لدرجة إنك تسمعي النفس.
وش فيفيان
اتجمّد.
ضحكتها ماتت في نصها.
وأبويا قام واقف فجأة.
"إيه الكلام ده؟!"
قمت براحتي.
ولا توتر.
ولا انتقام ظاهر.
قلت: "أنا اشتريت المكان وقت ما كنتوا فاكريني فاشلة.
وقت ما كنتوا بتضحكوا على لبسي وشغلي.
كنت باشتغل في صمت."
لفيت وبصّيت لمرات أبويا: "وأنتِ… كنتِ فاكرة إنك صاحبة البيت
علشان عمرك ما فكرتِ تسألي نفسك
أنا بجيب فلوسي منين."
حد من قرايبها قال بتلجلج: "يعني… الحفلة دي…؟"
ابتسمت: "على حسابي."
فيفيان قربت خطوة، صوتها واطي ومكسور: "إنتِ بتعملي كده ليه؟ ده يومي…"
ردّيت بهدوء: "علشان تفهمي إحساس إن حد ياخد مكانك
وانتي فاكرة إنك مالكاه."
مسكت شنطتي. بصّيت لأبويا: "أنا مش جاية أفضحك.
ولا أذلّ حد.
أنا جاية أسترد نفسي."
وشاورت للمدير: "الحفلة تكمّل…
بس من غيري."
وأنا ماشية، سمعت الهمس.
الفضول.
الصدمة.
والنظرات اللي اتقلبت.
فيفيان كانت واقفة لوحدها…
في مكان فاكرة إنه ملكها.
بس الحقيقة؟
ما كانش عمره ليها.
وأنا لما خرجت،
ما حسّتش
بانتصار صاخب.
حسّيت براحة.
لأن أقسى انتقام
مش إنك تعلي صوتك…
إنك تثبت إنك كنت أقوى طول الوقت
وهم ما خادوش بالهم.

تم نسخ الرابط