فتحت ليلي صندوق حماتها
فتحت ليلى صندوق حماتها الغامض ولكن ما رأته كان صادم، جعلها بلا كلام.
تذكرت حينها قبل أيام عندما قالت لزوجها:
"لو دخلت أمك بيتي مجددًا، سأخذ أولادي وأغادر إلى منزل أهلي!"
كانت هذه صرخة ليلى في وجه زوجها كريم، والسبب كان حماتها، السيدة نور.
امرأة في أواخر الستينات، ملامحها جامدة، عيناها لا تعرفان الابتسام، وصوتها يحمل دائمًا نبرة اتهام غير معلنة.
في كل زيارة، كانت نور تفعل الشيء نفسه بلا استثناء.
تدخل المطبخ أولًا، تفتح الثلاجة، تنظر داخل الأواني، تمرر إصبعها على الأرفف، ثم تقول جملتها المعتادة:
"النظافة عنوان البيت… وكريم تعود على نظام غير كده."
كانت ليلى تبتلع الإهانة بصمت، لكن أكثر ما كان يثير جنونها… تلك العلبة.
علبة خشبية قديمة، داكنة اللون، تحملها نور معها أينما ذهبت، كأنها جزء من جسدها.
لا تتركها لحظة، لا تضعها بعيدًا عن نظرها، ومغلقة دائمًا بقفل صغير صدئ.
ذات مرة، حاولت ليلى أن تمزح وتقول:
"هو في إيه في العلبة دي يا طنط؟ ده شكلها كنز!"
فتغير وجه نور فجأة، وأمسكت بالعلبة بقوة وقالت
"دي حاجة تخصني… ومحدش يقرب منها."
منذ تلك اللحظة، بدأ الشك يتسلل إلى عقل ليلى.
سحر؟
ذهب؟
أموال مخبأة؟
أسرار سوداء؟
كل الاحتمالات أصبحت واردة.
حاولت إخبار كريم أكثر من مرة، لكنه كان يضحك ساخرًا:
"أمي ست غلبانة، كل اللي في العلبة شوية ذكريات قديمة… بطلي وسوسة."
لكن الوسوسة لم تتوقف.
تحولت إلى غل مكتوم، وإلى شعور دائم بأن هناك شيئًا يُخفى عنها عمدًا.
مرت السنوات، والمشاكل تكبر، ونظرات نور لليلى تزداد قسوة، وكأنها تختبرها في كل مرة:
هل أنتِ جديرة بابني؟
وفي أحد الأيام، حدث ما لم يكن في الحسبان.
سقطت السيدة نور مغشيًا عليها أثناء زيارتها للبيت.
ارتبك الجميع، حضر الإسعاف، وحملوها سريعًا إلى المستشفى في حالة حرجة.
ذهب كريم مع أمه، وبقيت ليلى وحدها في البيت.
كانت ترتجف… ليس خوفًا، بل شيئًا آخر.
دخلت الصالة، وفجأة توقفت.
العلبة الخشبية…
كانت ملقاة على الأرض.
اقتربت ليلى ببطء، وكأنها تقترب من سر محرم.
ركعت، ومدت يدها، ولمست الخشب البارد.
قالت لنفسها بصوت يكاد لا يُسمع:
"يمكن دي الفرصة الوحيدة…
نظرت حولها، البيت صامت، لا أحد يراها.
حملت العلبة بين يديها، وسمعت صوت ارتطام خفيف من الداخل.
عندها فقط…
تجمدت في مكانها.
لأن الصوت لم يكن صوت ذهب.
ولم يكن صوت أوراق عادية.
كان شيئًا آخر…
شيئًا جعل قلبها يخفق بقوة، وكأن العلبة تحذرها:
"لو فتحتِني… لن تعودي كما كنتِ."
يتبع…
الجزء الثاني سيكشف ما بداخل الصندوق، والحقيقة التي ستغير حياة ليلى إلى الأبد.....
ترددت ليلى لحظة، ثم شدّت القفل الصدئ بقوة.
انكسر القفل بصوت خافت، كأن العلبة تنفست أخيرًا.
فتحت الغطاء ببطء.
لم يكن بداخلها ذهب… ولا سحر… ولا أموال.
كان بداخلها صورًا قديمة.
صور لكريم وهو طفل… لكن ليس وحده.
كان بجواره طفل آخر، في نفس العمر، نفس الملامح تقريبًا… نفس العينين.
تسارعت أنفاس ليلى.
قلبت الصور بيد مرتجفة، فوجدت شهادة ميلاد مطوية بعناية.
الاسم: كريم محمود
واسم آخر تحتها مباشرة: كامل محمود
توأم.
شهقت ليلى، ووضعت يدها على فمها.
وتحت الشهادات… خطاب قديم مكتوب بخط يد مرتعش:
"سامحني يا ابني…
لم أكن قوية بما
والدكما مات، وأنا كنت فقيرة، خائفة، مكسورة.
أخذوا أحدكما إلى دار أيتام، وقالوا إن هذا هو الحل.
وعدت نفسي أن أعود، لكني لم أستطع…
كلما نظرت إلى كريم، رأيت أخاه في عينيه.
هذه العلبة هي قبري الصغير… أدفن فيها ذنبي كل يوم."
سقطت العلبة من يد ليلى.
إذن هذا هو السر.
ليست امرأة قاسية فقط…
بل أم تحمل ذنبًا عمره ثلاثون سنة.
في تلك اللحظة، رنّ هاتف ليلى.
كان كريم.
صوته مكسور: «أمي فاقت… بس لازم أقولك حاجة غريبة…
الدكتور قال إن في راجل في أوضة الطوارئ التانية…
بيسأل عليها…
بيقول إنه ابنها.»
شعرت ليلى أن الأرض تميد بها.
قالت بهدوء لم تعرف من أين جاء: «اسمه كامل… صح؟»
سكت كريم.
ثم قال بصوت مرتعش: «إنتي عرفتي إزاي؟»
نظرت ليلى إلى العلبة المفتوحة، وإلى الصور المبعثرة على الأرض.
وقالت: «لأن أمك ما كانتش بتخبي كنز…
كانت بتخبي جرح.»
بعد أيام، اجتمع الشقيقان لأول مرة.
بكاء… صمت… نظرات طويلة تعوض سنين ضاعت.
السيدة نور لم تعتذر بالكلام.
فقط أمسكت يد ليلى يومًا، وقالت: «أنتِ أول واحدة
ابتسمت ليلى لأول مرة بصدق.
وأغلقت العلبة…
لكن هذه المرة،
لم تعد سرًا.