ادي شقتك لاختك
ادي شقتِك لأختِك… هدية جواز."
الجملة خرجت من بُق أبويا في الميكروفون، واضحة وصريحة، قدّام أكتر من 200 واحد.
القاعة كلها سكتت.
النجف الكريستال فوق دماغنا كان بينوّر، بس أنا حسّيت الدنيا ضلمت فجأة.
كاسات الشمبانيا اتثبتت في الإيدين، والفرقة بطّلت تعزف في نص النغمة.
ثانية واحدة بس، قلت يمكن سمعت غلط.
بس لأ… ما سمعتش غلط.
أختي أوليفيا كانت واقفة جنب عريسها على المسرح. عينيها وسعت شوية، بس مكنش فيها صدمة.
ولا حتى بصّتلي.
لأنها كانت عارفة.
اللي اتقال ده مش طلب… ده قرار متاخد من زمان.
قلبي كان هيقف.
الشقة دي مش ميراث.
دي تعبي.
عشر سنين شغل، ليالي مفيهاش نوم، مخاطرة محدش فيهم صدّق فيها ولا وقف جنبي.
بالنسبة لهم أنا لسه “البنت الهادية اللي الحظ ضحك لها في التكنولوجيا”.
الهمهمة عليت في القاعة:
"ده كرم منها."
"ما هي مدينة لعيلتها."
"يعني إيه؟ دي شقة وخلاص!"
واقفاني مكاني، صوابعي متلجّة، وبُقي ناشف.
لو قلت لأ… أبقى أنانية
ولو قلت آه… أبقى مسحت عشر سنين من عمري بإيدي.
لسه هفتح بُقي…
كرسي اتزحلق بعنف على الأرض.
راجل قام من آخر القاعة.
طويل… هادي زيادة عن اللزوم… وعمري ما شوفته قبل كده.
قال بصوت بارد قطع الهمهمة كلها:
"ما حدّش يقرّب لها… وإلا هيدفع التمن."
القاعة سكتت سكات يخوّف.
أبويا لفّ ناحيته، وشه قلب نار:
"إنت مين؟!"
الراجل ما ردّش فورًا.
بصلي أنا الأول… كأنه بيستأذن.
وبعدين واجه الناس كلها وقال بهدوء مرعب:
"إنتوا بتطلبوا منها تتنازل عن حاجة مش بتاعتكم.
وعاملين ده قدّام الناس عشان الضغط يبقى سلاح."
أبويا ضحك ضحكة عصبية:
"الأمن!"
الراجل ردّ من غير ما يرفع صوته:
"هم عارفيني كويس."
في اللحظة دي…
حسّيت الهوا نفسه بقى تقيل.
كأن القاعة اتقفلت علينا.
وساعتها فهمت حاجة واحدة بس:
اللي حصل ده مش صدفة…
وده لسه البداية.ثواني عدّت وأنا ببص للراجل اللي واقف في آخر القاعة، والناس كلها عيونها رايحة جاية بينه وبيني وبين أبويا.
أبويا كان أول واحد استجمع نفسه.
"إنت فاكر نفسك إيه؟"
قالها وهو قرب خطوة، صوته عالي، متعوّد إن محدش يكسّره قدّام الناس.
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة، لا فيها استفزاز ولا خوف.
"أنا الشخص الوحيد هنا اللي مش مستفيد من إذلالها."
الجملة نزلت على القاعة زي حجر.
أختي أخيرًا بصّتلي.
مش نظرة اعتذار…
نظرة استحقاق.
كأن الشقة حق طبيعي، وأنا مجرد عقبة.
في اللحظة دي، حسّيت حاجة اتفكت جوايا.
الخوف؟
الذنب؟
الرغبة إني أرضيهم؟
كلهم اختفوا.
مسكت الميكروفون من إيد أبويا قبل ما يلحق يمنعني.
"لا."
الكلمة خرجت بسيطة… بس تقيلة.
القاعة انفجرت همهمة.
أبويا اتشلّ.
أمي شهقت.
أختي وشّها احمر.
كمّلت وأنا إيدي مش بترتعش زي ما كنت فاكرة:
"الشقة دي بتاعتي. اشتريتها بتعبي. ومش هتكون هدية لحد، لا أختي ولا غيرها."
أبويا قرب مني وهمس من بين سنانه:
"إنتي بتكسّريني قدّام الناس."
بصّيتله في عينه لأول مرة من غير خوف:
"لأ… إنت اللي حاولت تكسّرني، بس فشلت.
الراجل اللي واقف ورا تقدّم خطوتين، بس ما تدخلش.
سابني أكمّل.
"ولو حد فاكر إن الضغط أو الفضيحة أو كلمة «عيلة» هتخليني أتنازل، يبقى ما يعرفنيش."
سكتُّ.
وسبت الميكروفون.
ثانيتين…
وبعدين، واحد من الضيوف سقّف.
وبعده واحد تاني.
التصفيق علي، مش ليهم.
أبويا سحب الميكروفون بسرعة، حاول يضحك ويصلّح الموقف، بس الفرحة كانت اتكسرت.
الزفاف كمّل… بس من غير روح.
خرجت من القاعة وأنا نفسي طويل لأول مرة من سنين.
الراجل لحقني برة.
"أنا آسف إني دخلت بالطريقة دي."
قالها بهدوء.
سألته أخيرًا:
"إنت مين؟"
قال:
"محامي. وكنت شغال على ملف شراكة مع شركتك من سنتين.
وأنا كمان كنت في يوم من الأيام الشخص اللي عيلته حاولت تاخد تعبه باسم الحب."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"بس إنتي… اخترتي صح."
بعدها بأسبوع، نقلت أوراق الشقة باسم شركة جديدة.
قفلّت أي باب ضغط للأبد.
أبويا ما كلّمنيش شهور.
أختي اعتبرتني عدوة.
بس أنا؟
كنت نايمة مرتاحة لأول مرة.
تعلمت إن أسوأ
من أقرب الناس ليك لما يفتكروا إن تعبك حقهم.
والراجل الغريب؟
ما كانش بطل القصة.
أنا كنت البطلة.