قابلت بنت صغيرة
قابلت بنت صغيرة تايهة في الجنينة، وخدتها أوصلها لبيتها. طول السكة كانت ماسكة إيدي جامد وبتهمس:
“أوعى تسيبني… كله بيمشي.”
وأول ما الباب اتفتح… اتجمدت مكاني.
اللي كانت واقفة قدامي كانت مراتي — الست اللي ماتت من سنة.
ابتسمت بهدوء وقالت: “اتأخرت.”
وفي اللحظة دي فهمت…
أنا ما كنتش داخل على معجزة.
أنا دخلت على حقيقة محدش المفروض يعرفها.
الجزء الأول
قابلت البنت الصغيرة جنب المراجيح في الجنينة قبل الغروب بشوية.
كانت قاعدة لوحدها على طرف صندوق الرمل، رباط الجزمة مفكوك، والشنطة جنبها. شكلها ما يزيدش عن ست سنين. بطّلت مشيي وبصّيت حواليّ، بدوّر على أي حد باين عليه القلق أو بيدوّر عليها… بس مفيش.
قلت لها بهدوء:
“إنتي تايهة؟”
هزّت راسها وقامت بسرعة، ومسكِت إيدي كأنها كانت مستنية أسمح لها. صوابعها كانت تلج، ومسكتها كانت أقوى من اللازم.
همست بصوت واطي:
“أوعى تسيبني… كله بيمشي.”
الجملة دي وجعتني أكتر ما كنت متوقع.
سألتها عن
سألتها:
“عايشة مع مامتك؟”
هزّت راسها وقالت:
“قالتلي استنى… بس هي دايمًا بتتأخر.”
الطريقة اللي قالت بيها الجملة خلت صدري يضيق.
لما وصلنا البيت، النور كان مولّع، والستارة مقفولة. بيت عادي جدًا. طبيعي. آمن.
خبطت على الباب.
الباب اتفتح.
والدنيا لفت بيا.
اللي كانت واقفة قدامي… كانت رايتشل.
مراتي.
الست اللي دفنتها بإيدي من سنة.
نفس الوش. نفس العيون. نفس العلامة الصغيرة جنب حواجبها من أيام الكلية. كانت باينة أصح من آخر فترة في حياتها، أهدى… وحية بطريقة حاولت أنساها.
ابتسمت، ولا كأن في حاجة غريبة.
وقالت بهدوء:
“اتأخرت.”
نفسي اتقطع. إيدي خدت بنج وأنا ماسك إيد لوسي.
قلت بصوت مكسور:
“أنا… رايتشل… إنتي—”
قاطعتني بهدوء:
“ادخل. لازم نتكلم.”
وفي اللحظة
أنا ما دخلتش على معجزة…
أنا دخلت على حقيقة محدش المفروض يعرفها…دخلت البيت وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. المكان كان هو هو…
نفس الريحة.
نفس الأثاث.
نفس الساعة اللي كانت دايمًا واقفة على 6:17 ومكسلين نصلّحها.
لوسي سابت إيدي وجريت على رايتشل
وقالت ببراءة:
“ماما، اتأخرتي.”
رايتشل مسحت على شعرها وبصّتلي بنظرة طويلة، نظرة فيها شفقة أكتر ما فيها حب.
قالت:
“اقعد.”
قعدت.
وكل ذكرياتي بتنهار واحدة واحدة.
قلت وأنا صوتي بيترعش:
“إنتي متي… أنا شُفتك بتدفني… أنا قعدت سنة كاملة لوحدي.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
“أيوه. إنت اللي كنت لوحدك.”
سكتت شوية، وبعدين كملت:
“بس مش هنا.”
بدأت أفهم… أو يمكن مخي كان بيرفض يفهم.
قالت:
“إنت فاكر آخر يوم في المستشفى؟ فاكر لما الدكتور قالك إن في مضاعفات؟”
هزّيت راسي.
كنت فاكر.
فاكر الألم.
فاكر الصراخ.
فاكر الضلمة.
قالت
“إنت اللي ما خرجتش من المستشفى.”
قلبي وقع.
قربت مني وقالت:
“إنت دخلت في غيبوبة. طويلة. سنة كاملة. دماغك خلق حياة تانية عشان يعرف يستحمل.”
بصّيت على لوسي.
قلت:
“طب هي؟”
رايتشل بلعت ريقها.
“لوسي كانت بنتنا.”
الدنيا سكتت.
قالت:
“إنت عمرك ما شُفتها… لأنها اتولدت وإنت في الغيبوبة.”
بدأت أبكي.
بصوت عالي.
زي طفل.
قالت:
“إحنا هنا كل يوم. مستنيينك تصحى. بس كل مرة تقرب، ترجع تاني.”
قربت مني أكتر وهمست:
“النهارده… إنت وصلت للباب.”
سمعت صوت بعيد.
أجهزة.
نبض.
حد بينادي اسمي.
رايتشل قالت:
“دلوقتي لازم تختار.”
سألتها وأنا بنهار:
“اختار إيه؟”
قالت:
“تصحى… وترجع لنا بجد.
ولا تفضل هنا… وتحلم بينا طول عمرك.”
لوسي مسكت إيدي تاني.
نفس المسكة القوية.
وقالت وهي بتعيط:
“أوعى تمشي.”
غمضت عيني.
ولما فتحتهم…
كنت في المستشفى.
النور أبيض.
الهواء تقيل.
وأول صوت سمعته كان بكاء طفلة.
لفّيت راسي.
رايتشل كانت واقفة جنبي، عيونها
قالت وهي بتضحك وبتعيط في نفس الوقت:
“اتأخرت.”
ولأول مرة…
عرفت إني وصلت البيت. 🖤