جوزي خدني معاه عشا شغل
أنا اسمي مروة.
ثمانية وثلاثين سنة.
مش صغيرة، ومش عجوز.
في المنطقة اللي الواحد فيها بيبقى فاهم الدنيا كويس… بس لسه قلبه قابل للوجع.
اتجوزت حازم من تمان سنين.
كان ذكي، طموح، بيعرف يتكلم كويس. النوع اللي لما يقعد في قعدة، يحسّس اللي قدامه إنه أقل شوية، من غير ما يرفع صوته. وأنا؟ كنت فاكرة إن ده ذكاء. فاكرة إن الثقة الزايدة دي نجاح.
السنين عدّت، وأنا كنت دايمًا في الخلفية. بدعمه، بنظّم له حياته، بلمّ اللي بيقع منه. ما اشتكيتش. ما طلبتش بطولة. كنت فاكرة إن الشراكة الحقيقية كده.
لحد الليلة دي.
العزومة جات فجأة.
قالّي: – «عشا شغل مهم. عميل ياباني تقيل. حابب تيجي؟»
سألته: – «أنا؟» ضحك: – «آه، تحلي الجو. منظر لطيف. وبعدين ما تقلقيش، مش هتفهمي كلمة.»
قالها وهو بيضحك، بس الضحكة كانت فيها حاجة… حاجة ما ارتحتلهاش.
من غير ما أعلّق، دخلت أوضتي ولبست.
وفي سري، فتحت الموبايل ونزّلت تطبيق ترجمة متقدم، كنت بستعمله أحيانًا أراجع بيه اللي درسته زمان.
هو ما يعرفش إن الياباني مش لغة غريبة عليّا.
ولا يعرف إن اللي اتنسي… بيرجع
المطعم كان هادي، إضاءة دافية، موسيقى واطية.
العميل الياباني وصل قبلنا بدقايق. راجل في الخمسينات، ملامحه ثابتة، عينه بتلاحظ أكتر ما بتتكلم.
قعدنا.
حازم في النص.
وأنا على يمينه.
من أول دقيقة، حسّيت إني مش موجودة.
مش تجاهل فجّ… لأ.
تجاهل ناعم.
نظرة بتعدّي فوقك.
كأنك قطعة ديكور.
الكلام بدأ رسمي. أرقام. جداول. مواعيد.
أنا ساكتة. بابتسم. بهز راسي.
والتطبيق شغال.
كل حاجة كانت ماشية تمام… لحد ما الكاسات اتمليت تاني.
ساعتها، حازم ارتاح زيادة.
ابتدى يتكلم بثقة أعلى.
ضحك أكتر.
ومرة واحدة… نبرة صوته اتغيرت.
قال للعميل جملة خلت جسمي يشد كله: إنه عامل حسابات احتياطية، تحسبًا لأي ظروف مفاجئة، وإنه دايمًا بيسيب لنفسه مخرج.
العميل سكت.
وأنا؟
قلبي بدأ يدق أسرع.
بعدها بكام دقيقة، وهو بيضحك، قال جملة تانية.
الجملة دي ما كانتش عن شغل.
كانت عن حياته.
عن إنه شايف نفسه أكبر من أي التزام.
وإنه دايمًا بيخطط لقدّام… لوحده.
أنا فضلت ساكتة.
مش علشان مش فاهمة.
علشان كنت فاهمة زيادة.
في اللحظة دي، حسّيت بحاجة
مش صدمة.
مش غضب.
وضوح.
كأن صورة كاملة اتفتحت فجأة.
كل موقف قديم.
كل كلمة ناقصة.
كل مرة حسّيت إني مش في الصورة.
العميل الياباني كان متوتر.
ما بصّليش.
بس كان واضح إنه فاهم إن في حاجة غلط.
وحازم؟
مكمّل.
مستمتع.
فاكر نفسه آمن.
خلص كلامه.
وسكت.
ساعتها، رفعت راسي.
بصّيت للعميل، وابتسمت، وتكلمت بالياباني.
نطق سليم. هادي. مهذب.
شكرته على العشا.
اعتذرت له عن أي إحراج.
وقلت جملة بسيطة جدًا، بس وزنها كان تقيل: «مش كل الصمت جهل… أحيانًا بيبقى اختيار.»
الصمت اللي نزل بعدها كان يخوّف.
حازم وشه اتشد.
العميل اتعدل في قعدته.
والوقت وقف.
في العربية، حازم حاول يتكلم.
ضحك.
قال: – «إنتي بتفهمي ياباني بجد؟»
قلت: – «من زمان.»
قال: – «ليه ما قولتيش؟»
قلت بهدوء: – «ما سألتنيش.»
وصلنا البيت.
دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
وقعدت على السرير.
ما عيطتش.
ما انهرتش.
بس لأول مرة من سنين… فكّرت في نفسي لوحدي.
تاني يوم، صحيت بدري.
لبست.
خرجت.
قعدت في كافيه صغير، فتحت اللابتوب، وابتديت أراجع كل حاجة في حياتي.
مش علشان أدمّر.
علشان أفهم.
كنت شريكة في كل حاجة.
مش على الورق بس.
في التفاصيل.
في التنظيم.
في المتابعة.
واكتشفت إن في حاجات كتير باسمي.
توكيلات.
توقيعات.
مستندات.
مش غلطة.
بس فرصة.
بعد أسبوع، الإيميل وصل.
من الشركة اليابانية.
طلبوا اجتماع أونلاين… معايا أنا.
قعدنا.
اتكلموا بهدوء.
قالوا إنهم لاحظوا تضارب.
وإنهم محتاجين حد أوضح.
ما شتمتش.
ما اتهمتش.
بس حكيت الحقيقة زي ما هي.
بعد الاجتماع، قفلت اللابتوب، وحسّيت إني أخيرًا واقفة على أرض ثابتة.
حازم ابتدى يحس إن في حاجة مش مظبوطة.
الشغل قل.
التليفونات بقت أقل.
بدأ يتوتر.
وفي مرة، قالّي: – «إنتي عملتي حاجة؟»
قلت: – «أنا بس بطلت أكون ساكتة.»
سكت.
بعد شهور، المشروع الجديد بدأ.
باسمي.
مش ضخم.
بس نظيف.
الناس بقت تشوفني.
مش كـ “مراته”…
كـ شخص.
وفي يوم، قلتله: – «أنا عايزة أخرج من الجوازة دي.»
ما صرخش.
ما اتخانقش.
بس اتكسر.
الطلاق تم بهدوء.
من غير فضايح.
من غير حروب.
بعد سنة، كنت واقفة على منصة صغيرة في مؤتمر.
مش نجمة.
بس محترمة.
العميل الياباني سلّم عليّا، وقال: – «أحيانًا، اللي بنفتكره
ابتسمت.
افتكرت نفسي وأنا قاعدة على الترابيزة، ساكتة، بابتسم.
وعرفت إن الليلة دي ما كانتش نهاية.
كانت بداية.