قالولي ابوك اتبرع بالدم

لمحة نيوز

قالولي أبوك اتبرع بالـ.ـدم النهاردة.. واخد  قرشين حلوين، عشان مصاريف مدرستك". ابويا باع دمـ.ـه عشان يخليني أكمل تعليمي.. ودلوقتي وأنا بقبض 100 ألف جنيه في الشهر، جالي يطلب مساعدة، مادتلوش ولا مليم.. ومشي من عندي ودموعه على خده وقلبه مكـ.ـسور. بس انا مش قصدي !

الراجل اللي رباني مكنش أبويا الحقيقي. كان أقرب صديق لأمي الله يرحمها.. كان راجل بسيط شقيان "سواق تروسيكل" عايش في أوضة صغيرة بالإيجار، يادوبك مساحتها مترين في مترين. لما أمي ماتت، هو اللي شال المسؤولية فوراً ومن غير تفكير، رغم إنه كان يا مولاي كما خلقتني وماحيلتوش حاجة. من اليوم ده، بقى هو أبويا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

طول سنين دراستي، كان بيطحن نفسه في الشغل.. يصحى من النجمة ويرجع وش الصبح، ويستلف لما الدنيا تضيق بيه، كله عشان ماضطرش أسيب المدرسة أو تعليمي يقف.

لحد دلوقتي لسه فاكر المرة اللي المدرسة طلبت فيها مصاريف مفاجأة وكانت زيادة عليا. كنت مكسوف جداً أقوله. ليلتها، لقيته بيمد إيده برزمة فلوس قديمة ومكرمشة، كانت ريحتها كلها مطهر ومستشفيات.

وقال لي بصوت واطي وحنين: "أبوك اتبرع بالـ.ـدم النهاردة.. وادوني قرشين حلوين، خدهم عشان مصاريف مدرستك".

يوميها

حطيت راسي على المخدة وفضلت أعيط لحد ما نمت. مين ده اللي يبيع دمـ.ـه مرة ورا مرة عشان عيل مش من صلبه حتى يكمل تعليمه؟ ده كان معدن الراجل ده.. ومحدش كان يعرف السر ده غيرنا احنا الاتنين.

بعد حوالي عشر سنين كفاح، ربنا كرمني وبقيت مدير شركة، ودخلي عدى الـ 100 ألف جنيه في الشهر. حاولت كتير أجيبه يعيش معايا في المدينة في مستوى يليق بيه، بس هو رفض.. قال لي إنه واخد على العيشة البسيطة ومش عايز يبقى حمل تقيل عليا. وعشان أنا عارف كرامته وعزة نفسه، ماضغطتش عليه.

وفي يوم، لقيته جايلي زيارة. شكله كان يقـ.ـطع القلب.. جسمه ضعف وضهره انحنى، وشعره ابيض خالص، وشمس الشقا كانت محفورة على وشه وتجاعيده. قعد على طرف الكنبة بخجل وتوتر واتكلم بصوت ضعيف ومتهزز:

"يا ابني.. العمر جري بيا، ونظري ضعف وايدي بقت بتترعش ومبقتش حمل شقا ولا شغل.. الدكتور قالي محتاج عملية ضروري وتكلفتها حوالي 60 ألف جنيه. ماليش غيرك أقصده.. عشان كدة جيتلك".

سكت وماطقتش بكلمة في الأول.

شريط ذكريات مر قدام عيني.. وهو بيطبخ لي شوية رز وشوربة لما كنت عيان، وهو بيجري في عز المطر عشان يجيب لي الشنطة اللي نسيتها، وهو نايم على كرسي خشب مكسر مستنيني أرجع بليل متأخر.

بعدين بصيت

في عينه مباشرة وبكل برود وقسوة قولتله:

"أنا مش هقدر.. ومش هديك ولا مليم واحد". . سكت المكان فجأة…
الكلمات وقعت بينا تقيلة زي حجر.
شافني وأنا بقولها، لا زعق ولا اتخانق…
بس عينه لمعت لمعة وجع عمره ما طلع صوت.
قام بهدوء، كأن كل حتة فيه بتصرخ، ومد إيده المرتعشة يعدل جلابيته القديمة، وقال بابتسامة مكسورة:
«ولا يهمك يا ابني… يمكن أنا غلطان إني جيت. ربنا يكرمك».
لف ضهره ومشي.
ولا بص وراه.
ولا قال كلمة زيادة.
أنا فضلت واقف مكانى… متجمد.
قلبي كان بيدق بس دماغي كانت فاضية.
قلت لنفسي: هو مش أبويا الحقيقي… وأنا مالي؟
ده اختار يساعد، محدش غصبه.
قعدت الليلة دي في سريري…
بس النوم ما جاش.
كل ما أغمض عيني، أشوفه وهو ماسك رزمة الفلوس المكرمشة، ريحة المستشفى مالية المكان، وصوته الواطي بيقول:
«أبوك اتبرع بالدم النهاردة…»
قمت من على السرير مخنوق.
فتحت الموبايل… دخلت على صور قديمة.
صورة ليا وأنا في ابتدائي، وهو واقف جنبي، مبتسم فخور، لابس جلابية مقطوعة من عند الركبة.
صورة يوم تخرجي… كان واقف بعيد شوية، كأنه مش عايز يبان، بس عينه كانت بتلمع أكتر مني.
الساعة عدت 3 الفجر.
قلبي وجعني بجد… مش مجاز.
قلت: أنا عملت إيه؟
لبست بسرعة ونزلت.
روحت الأوضة

اللي كان ساكن فيها.
خبطت…
محدش رد.
خبطت تاني بعنف.
الجيران طلعوا.
واحدة ست كبيرة قالتلي:
«أنت قريبه؟ ده تعب قوي امبارح ومشي الصبح بدري على المستشفى الحكومي».
قلبي وقع في رجلي.
جريت…
ولا حاسس بحاجة.
دخلت المستشفى، سألت عليه.
الممرضة بصت في الورق وقالت بهدوء قاتل:
«للأسف… وصل متأخر. حصل له نزيف حاد… حاولنا، بس…»
ماكملتش.
مش محتاج تكمل.
دخلت الأوضة.
كان نايم…
وشه هادي قوي.
أهدى من أي مرة شوفته فيها.
مسكت إيده.
كانت ساقعة.
انهرت.
عيطت زي طفل.
صرخت، ضربت في نفسي، قلت كل كلمة ندم اتأخرت عشر سنين.
«سامحني… أنا ماكنتش أقصد… والله ما كنت أقصد…»
بس هو ما ردش.
بعد أيام، وأنا بخلص إجراءات الدفن، الدكتور ناداني.
اداني ظرف صغير.
قاللي:
«ده كان معاه… قال لو حصل له حاجة، يتسلم ليك».
فتحت الظرف.
لقيت تقرير قديم…
وتحته ورقة مكتوب فيها بخطه:
أنا ما خلفتش،
بس ربنا رزقني بابن من غير دم.
لو قريت الكلام ده، يبقى أنا مشيت وأنا مطمّن.
متزعلش على فلوس ولا عملية…
أنا خدت حقي لما شوفتك واقف على رجليك.
سامحتك قبل ما تغلط.
وقعت الورقة من إيدي.
الـ 100 ألف جنيه اللي بقبضهم كل شهر…
بقوا ولا حاجة.
لأني اكتشفت الحقيقة متأخر:
مش كل أب بيخلف…
وفي رجالة
بتدفع عمرها ودمها
عشان تصنع إنسان.
وأنا…
خسرت أعظم إنسان
عشان افتكرت إن الدم أهم من الوفا.

تم نسخ الرابط