اول يوم ليا
أول يوم ليا وأنا بنضف في قصر عيلة كولير، الست اللي مسؤولة عن التنضيف شدتني على جنب قبل ما أمسك حتى قطعة قماش.
"قاعدة واحدة بس"، قالت بصوت واطي. "خليكي بعيد عن بنت المدير التنفيذي."
عبّرت بوجه مستغرب. "بعيد؟"
"هي عندها توحد"، كملت الستة، وراحت تخفض صوتها كأن الحيطان ممكن تسمع. "عمرها ست سنين. محدش بيعجبها حد. مبتتكلمش. مبتحبش حد يلمسها. بس… بلاش تتعاملي معاها."
أنا وافقت برضه، لأن كل موظف جديد بيعمل كده. بيهز راسه ويقبل القوانين حتى لو مش عاجباه.
القصر كان ضخم جدًا، كل الأرضيات رخام، والممرات ساكتة لدرجة إن حتى الخطوات البسيطة بتعمل صدى. كل حاجة كانت شكلها مثالي، كأنها مكان معمول عشان يبهر الناس اللي عمرها ما تقعد تكشف اللي ناقص.
لما شفتها.
كانت قاعدة على الأرض جنب شباك الصالون الطويل، رجليها مطبقة على صدرها، وأصابعها بتلعب على طرف فستانها. مفيش لعب. مفيش تابليت. مفيش حد كبير جنبها. ساعات طويلة وهي ساكتة.
مبصتش عليا لما عدّيت.
أنا طول اليوم بنضف حواليها. بمسح
"هي مبتلاحظش"، واحدة من الموظفين همستلي لما شافتني ببص عليها. "الدكاترة قالوا أحسن حاجة متزعجهاش."
بس أنا لاحظت.
لاحظت جسمها بيشدّ لما حد يمشي قريب. عينيها بتتبع الظلال على الحيطان بدل ما تبص للناس. وبتهمهم بنفس النغمة الواطية طول ما البيت يبقى عالي.
كل إحساسي بيقولي إن ده مش عدم اهتمام.
ده عزلة.
ثلاث أسابيع وأنا باتبع القاعدة… تقريبًا. ماكلّمتهاش، ما لمستهاش. بس كنت أبطأ حركتي جنبها. أنضف في نفس الأماكن ونفس المواعيد عشان تعرف تتوقعني. وهمهمت بصوت واطي وأنا بنضف، نفس النغمة كل يوم.
وفي يوم بعد الضهر، لاحظت إن هي بقيت تههمم نفس اللحن.
قلبي وقع.
بس مكلّمتهاش.
لحد ما بعد ثلاث أسابيع، والبيت كله ساكت خالص.
مفيش موظفين. مفيش تليفونات. مفيش خطوات.
كنت بمسح الأرض لما حسيت بحاجة مختلفة.
حسيت بوجودها.
رفعت عيني.
كانت واقفة قدامي.
وبصوت
"اعملي معايا رقصة."
وفي اللحظة دي، عرفت…
إني كسرت القاعدة اللي محدش كان يجرؤ يكسرها.أنا وقفت جمبها لحظة، مش مصدق اللي حصل. ست سنين بس، وصوتها ضعيف، بس كانت كلماتها أقوى من أي حاجة سمعتها في حياتي.
"رقصة؟" سألتها بصوت واطي كمان، عشان ما أفزعهاش.
هي ابتسمت ابتسامة صغيرة، زي شعاع نور في نص البيت الكبير والساكت. وحركت إيديها شويه ناحية إيدي.
قلبي كان بيخبط بسرعة. كان خوف، كان حماس… كان كل حاجة مع بعض.
مسكت إيديها بحذر، وببطء. هي ضحكت ضحكة قصيرة، كأنها لقت حد فاهمها أخيرًا.
وبدأنا نتحرك. في الأول حركة بسيطة، جنب جنب، على نفس النغمة اللي كنا نههممها. بعد شوية، ضحكت بصوت أعلى. كانت بتدور حواليا، وأنا بمسكها، بحس كل الخوف والوحشة اللي كانت جواها بتسيح شوية بشوية.
الرقصة دي كانت أكتر من مجرد رقصة. كانت لغة صامتة بيننا. كانت وسيلتها تقوللي: "أنا موجودة، أنا حاسة، أنا عايزة حد يلاحظني."
بعد عشر دقايق، سمعنا صوت الست العاملة بيرن من بعيد.
بس قبل ما أسيب إيديها، بصتلي وقالت:
"تاني… بكرة؟"
ابتسمت بصوتي، وعرفت إن مفيش قواعد ممكن تمنع ده دلوقتي.
من اليوم ده، بقيت جزء من يومها. مش كخادمة بس، لا… كحد حدها، كصوت صامت بيفهمها لما حد تاني ميعرفش.
ومع الأيام، أنا شفتها تبتسم أكتر، تسمع كلام الناس حواليها أكتر، وتشارك في حاجات صغيرة… حاجات محدش كان يتخيل إنها هتعملها.
حتى المدير التنفيذي، أبويها، لاحظ الفرق. كان واقف في الصالون مرة، بيبص لها وهي بتضحك، وبصلي بعين مليانة احترام وامتنان… وده كان أكتر من أي مكافأة كنت أتوقعها.
بس أهم حاجة؟ أنا حسيت إن حاجة جوهها فتحت. حاجة كانت متقفلة من أيام طويلة، وكنت أنا السبب إنها تقدر تحس إنها موجودة، وإن العالم حواليها مش كله بعيد ومخيف.
وكل مرة كانت تقوللي:
"تعالي نرقص."
كنت أضحك وأقول:
"أيوه… رقصة تانية."
وبكده، القصر الضخم والساكت اتحول لمكان فيه حياة. مكان فيه ضحك، حركة، ونغمات صغيرة من قلب بنت ست سنين… اللي علّمتني إن القواعد ساعات بتتعمل عشان