كنت شغال جرسون

لمحة نيوز

كنت شغال جرسون على باب الله، بالكاد مكمّل، لما لاحظت راجل كبير في السن قاعد لوحده، إيده بتترعش وهو بيعدّ شوية فكة على الترابيزة. قربت منه ووطّيت صوتي وقلتله:
«الأكلة دي… على حسابي.»
بصلي، هزّ راسه بهدوء وقال:
«هتشوفني تاني.»
ابتسمت، فاكرها مجاملة وخلاص.
بعدها بأسبوع، وأنا في شيفت الصبح، دخل راجل لابس بدلة سودة، سأل عن اسمي، وحط ظرف تخين على الترابيزة.
ساعتها فهمت… الوجبة اللي دفعتها من جيبي غيرت حياتي كلها.
الجزء الأول — الوجبة اللي كلفتني كل اللي كنت أملكه
في الوقت ده، كنت جرسون حالته صعبة، بشتغل شيفتات مضاعفة في كافيه صغير على الطريق. القهوة رخيصة، والبقشيش على الله. كل جنيه كان محسوب، وكل وجبة كنت بسيبها كانت قرار، والطيبة نفسها كانت رفاهية مش دايمًا أقدر عليها.
الليلة دي كانت بتمطر، المطر سايب خطوطه على الشبابيك، والمكان شبه فاضي، هادي لدرجة إني كنت سامع صوت التلاجة ورا الكاونتر. لفت نظري لأنه كان كاسر الهدوء… راجل عجوز قاعد لوحده، كتافه بتهتز وهو بيطلع اللي في جيوبه ويحطهم على الترابيزة.


كان بيعدّ الفكة واحدة واحدة، ببطء، ومرتبهم كإن الدقة ممكن تزودهم. بنسات، نيكل، شوية دايمات… مفيش ولا ورقة، ولا كارت، ولا حتى موبايل. لما حطيت الحساب، إيده وقفت، وفضل يبص على الرقم وقت أطول من اللازم، وهو أصلًا عارف إنه مش هيكفي. كحّ بصوت واطي وقال إنه غالبًا مش هيقدر غير على الشوربة.
وقفت قدامه ثواني زيادة عن الطبيعي، ببص على الترابيزة، وحاسس بوزن محفظتي في جيبي. كنت عارف بالظبط الوجبة دي هتكلفني قد إيه—تقريبًا ساعة شغل كاملة، فلوس كنت خلاص قسمتها في دماغي على أكل البيت. قربت منه ووطّيت صوتي عشان محدش يسمع وقلت:
«الأكلة دي… على حسابي.»
الكلام نفسه فاجأني قبل ما يفاجأه.
رفع عينه ببطء، وعنيه كانت أحدة بكتير من اللي رعشة إيده توحي بيه، بصلي كإنه بيحفظ ملامحي. ما ابتسمش، ما شكرنيش بالطريقة المعتادة، وما حاولش يرفض. هزّ راسه مرة واحدة وقال:
«هتشوفني تاني.»
كانت جملة أقرب ليقين مش شكر، بس أنا عدّيتها، وابتسمت ابتسامة متوترة وأنا بمشي.
لما مشي، خد الفكة معاه، وساب الترابيزة فاضية، كإن مفيش حاجة
حصلت أصلًا. كمّلت شيفتي، وعدّيت البقشيش، وحسّيت بوجع الفلوس اللي ناقصة أكتر ما كنت متوقع. وأنا ماشي في الطريق للبيت، فضلت أقول لنفسي إنه قرار غبي، قرار مش قدّ ظروفي، وإن دي حاجة ما ينفعش تتكرر.
ساعتها، كنت متأكد إن الوجبة المجانية دي كانت آخر الحكاية…
بعد أسبوع بالظبط، كنت في شيفت الصبح. المكان كان فاضي إلا من اتنين زباين قهوتهم لسه على النار. كنت ماسك الفوطة وبمسح الترابيزة اللي قعد عليها الراجل العجوز، كإن المكان لسه فاكره.
باب الكافيه اتفتح بهدوء… ودخل راجل ما يتنسيش.
بدلة سودا مفصّلة، جزمة تلمع، وساعة شكلها تمنها يجيب الكافيه كله. وقف لحظة، بص حواليه، وبعدين عينه جات عليّ.
قال بصوت هادي:
— «حضرتك اسمك إيه؟»
قلتله اسمي وأنا مستغرب.
مدّ إيده بظرف بني تخين، وحطه على الترابيزة قدامي.
— «ده ليك.»
ضحكت ضحكة توتر.
— «أكيد في غلط…»
قاطعني وقال:
— «مفيش غلط. ده من طرف راجل عجوز عزمته على العشا من أسبوع.»
قلبي دق.
فتحت الظرف…
فلوس.
مش شوية… مبلغ عمري ما شوفته بعيني.
إيجار متأخر، ديون، أكل، وكل
الأحلام اللي كنت بدفنها عشان أعيش اليوم بيوم.
بصيتله وأنا مش فاهم.
— «ليه؟»
قال وهو بيظبط كمّ البدلة:
— «الراجل ده صاحب مجموعة استثمارات كبيرة. كان بيمر بوقت صعب، مش فلوس… كرامة. وكان محتاج يشوف لو لسه في حد بيعمل خير من غير مقابل.»
سكت شوية وبعدين كمّل:
— «قال إنك الوحيد اللي ما بصّش للفكة… بصّ للإنسان.»
بلعت ريقي.
سألته:
— «طب هو فين؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— «مش هييجي. قال إن الهدية دي مش مكافأة… اختبار نجحت فيه.»
افتكرت الجملة اللي قالها:
“هتشوفني تاني.”
وفهمت…
هو كان شايفني، مش أنا اللي هشوفه.
الفلوس غيرت حياتي؟
أيوه… بس مش زي ما الناس فاكرة.
سدّدت ديوني، سبت الشغل بعد فترة، بس ما فتحتش مشروع ولا اشتريت عربية.
فتحت كافيه صغير…
وسمّيته “الفكة”.
وفيه قانون واحد مكتوب على الحيطة:
“لو مش معاك… الأكلة علينا.”
وبعد سنين، في ليلة مطر شبه الليلة اللي فاتت،
شوفت شاب واقف بيعدّ فكة بإيد بتترعش.
ابتسمت، قربت منه، وقلتله:
— «الأكلة دي… على حسابي.»
رفع عينه، وقال باستغراب:
— «ليه؟»
ابتسمت وقلت:
«عشان الخير… عمره ما بيضيع.
بس أحيانًا… بيرجع متأخر شوية.»
النهاية.

تم نسخ الرابط