لطمت خادمتي بقوة
لطمت خادمتي بقسوة وطردتها من البيت في عز الليل الساعة ٢ ليلاً والسبب؟ لأنني عثرت على ملابسي الخاصة المفقودة مدسوسة داخل شنتطها الشخصية
آه، لو كنت أعلم حينها أن تلك الصفعة كانت بمثابة توقيعي على شهادة وفاتي، لكنتُ جثوت عند قدميها، غسلتهما بدمعي وشربت الماء من أثرهما ندماً وتوسلاً حتى لا تفعل بي ما فعلته
أنا السيدة "ليلى"، أعيش حياة الملوك في فيلا فاخرة بقلب "التجمع الخامس" (أحد أرقى أحياء العاصمة). زوجي، رجل الأعمال الكبير "خالد"، يُعاملني كأميرة لا تلمس قدمها الأرض. لا أطبخ، لا أنظف، ولا أقود السيارة حتى. لدي سائقون، طهاة، وعاملات نظافة رهن إشارتى
لكن "رحمة" كانت مختلفة. كانت خادمتي الشخصية والمقربة
فتاة ريفية بسيطة جاءت من إحدى قرى الصعيد البعيدة. كانت هادئة، كتلة من النشاط والتقوى، وأحبت أطفالي وكأنهم قطعة من كبدها. عاملتها بما يرضي الله؛ منحتها ملابسي الفاخرة، تكفلت بمصاريف أشقائها، وكانت تأكل مما نأكل.
لذا، لكِ أن تتخيلي حجم الكارثة التي هزت كياني يوم
كنت أبحث بجنون عن قطعة ملابس خاصة حمراء، تلك التي يحبها زوجي "خالد" كثيراً. قلبتُ الفيلا رأساً على عقب، لكن دون جدوى. وفجأة، وسوس لي هاجس غريب: "ابحثي في غرفة رحمة"
دخلت ملحق الخدم دون استئذان. لم تكن موجودة.
سحبت حقيبة سفرها القديمة المتهالكة من تحت السرير. فتحتها، وياليتني لم أفعل، فقد تجمدت الدماء في عروقي.
خمس قطع من ملابسي الخاصة.. وشعر من رأسي ملفوف بعناية داخل منديل أبيض
أين كانت مخبأة؟ في قلب مصحفها الكبير!
اشتعلت النيران في رأسي. صرخت بجنون:
"إذن هذه البنت 'سحارة'؟ تريد أن تسرق زوجي وتدمر قدري بالسحر والشعوذة؟ بعد كل الخير الذي قدمته لها؟!"
وعندما عادت "رحمة" من الخارج، لم أمهلها لحظة لتنطق
انقضضت عليها بلا رحمة. أوسعتها ضرباً مبرحاً حتى خارت قواها
وبينما كانت الدماء تسيل من شفتها، نظرت إليّ بعيون يملؤها الرعب والقهر وصرخت بصوت مخنوق:
"يا هانم، أبوس إيدك اسمعيني! الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة! خليني أشرح لك الحقيقة!"
لكنني صممت أذنيّ... ورميتها
مرت ثلاثة أيام فقط على طرد “رحمة”…
ثلاثة أيام كانت كافية لتحويل قصري إلى قبرٍ فاخر.
في الليلة الأولى، استيقظت على صراخٍ حادّ.
ابني الأصغر كان يتلوّى من الألم، حرارته تحرق يدي. الأطباء حضروا مسرعين، تحاليل، محاليل، أجهزة… ولا تفسير.
قال كبيرهم بصوت خافت:
«الحالة غريبة… كأن جسده يرفض نفسه».
في الليلة الثانية، سقط زوجي “خالد” مغشيًا عليه في مكتبه.
جلطة مفاجئة… رجل في أوج قوته، بلا مقدمات.
المال، العلاقات، النفوذ… كلّها عجزت عن ردّ نبضة واحدة إلى قلبه.
أما الليلة الثالثة… فكانت ليلتي أنا.
كنت وحدي في غرفة النوم، نفس الغرفة التي بحثت فيها عن تلك القطعة الحمراء.
انطفأت الأنوار فجأة.
بردٌ زحف إلى عظامي، ورائحة ترابٍ مبتلّ ملأت المكان.
ثم سمعتُ صوتًا…
هادئًا، أعرفه جيدًا:
«قلتلك اسمعيني يا هانم… بس إنتي ما سمعتِيش».
صرخت.
قفزت من السرير، لكن قدماي خانتاني.
رأيتها…
“رحمة” تقف عند باب الغرفة.
وجهها شاحب، شفاهها
همستُ وأنا أرتجف:
«إنتِ… إنتِ عملتي فينا إيه؟»
ابتسمت بحزن، وقالت بصوتٍ كالسكاكين:
«ولا حاجة…
أنا بس شلت اللي كنت بحميكم بيه».
سقطت على الأرض.
«بتحمينا؟!»
اقتربت خطوة، ثم أخرى:
«الملابس؟
الشعر؟
كانوا عشان أردّ عمل معمول ليكي من سنين…
حد من قرايبك حسدك على جوازك وعلى حياتك.
الشيخ قال لازم الحاجات دي تتخبّى في مكان طاهر…
عشان كده حطيتهم في المصحف».
انهرت.
بكيت كما لم أبكِ يومًا.
«طب ليه ما قلتيليش؟»
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت الجملة التي قتلتني حيّة:
«لأني خدامة…
وإنتِ ست هانم ما بتصدقش خدامة».
اختفت.
كما ظهرت.
في الصباح…
ابني دخل في غيبوبة.
زوجي مات.
بحثت عن “رحمة” في كل مكان…
القرية، المحطات، المستشفيات…
كأن الأرض ابتلعتها.
بعد شهر، وصلتني رسالة واحدة فقط، بلا اسم مرسل:
«ربنا شاهد إني سامحتك…
بس اللي يتكسر ما بيرجعش زي الأول».
اليوم…
أعيش وحدي في الفيلا.
الخدم كثيرون، لكن لا أحد ينظر في عيني.
المرآة لا ترحمني، وصوت الصفعة…
ما زال
تعلمت الدرس متأخرة:
أقسى اللعنات لا تأتي من السحر…
بل من الظلم.