كنت ماشيه لوحدي في البرد القارس
كنت ماشية لوحدي في البرد القارس، زي كل ليلة.
الساعة كانت عدّت نص الليل، والمدينة فاضية إلا من نور أعمدة الشارع وصوت الهوا وهو بيصفر.
راسية واطية، إيدي في جيوب الجاكيت، بعدّ خطواتي… الروتين كان الطريقة الوحيدة اللي مخلّياني مستحمِلة الوحدة.
وفجأة… شوفته.
ولد صغير قاعد على دكة في جنينة عند الناصية، مكور نفسه، رجليه مبلولة، ولبسه خفيف مش نافع قدام البرد. ماكنش بيعيّط.
وده اللي خوّفني أكتر.
بطّلت مشي.
قربت منه واحدة واحدة.
قلتله بهدوء:
“إنت كويس؟”
رفع عينه وبصلي… عينين تعبانة، شفايفه مزرقة من السقعة. من غير ما أفكر، قلعت الجاكيت ولفّيته عليه. اتفزع في الأول… وبعدين هدي، كأنه كان مستني اللحظة دي.
وساعتها قال الجملة اللي وقفت قلبي:
“بابا قالّي… إنك هتيجي.”
قلبي دق دقة مش
“باباك مين؟” سألت وأنا بحاول أتماسك.
هز راسه وقال:
“قالّي هبقى بردان وخايف… بس إنتِ هتعدّي من هنا.”
قشعريرة طلعت في جسمي، مش من البرد… من الكلام.
قلتله ببطء:
“أنا عمري ما شفتك قبل كده.”
قال بكل هدوء:
“عارف.”
نزلت على ركبي قدامه وقلت:
“اسمك إيه؟”
“ليو.”
“وباباك فين؟”
بص في الأرض وقال:
“قالّي إنتِ هتعرفي تعملي إيه.”
بصّيت حواليا…
الجنينة فاضية.
ولا روح.
ولا آثار رجليّن في التلج غير رجلي أنا.
ولا أي حد مستنيه.
دي ماكنتش صدفة.
واللي حط الطفل ده هنا… كان قاصدني أنا بالذات.
مسكت إيد ليو ووقفته.
قلتله بهدوء:
“ماشي… هنفهم كل حاجة.”
بس جوايا كنت حاسة إن الحقيقة أبعد وأخطر بكتير…
وإن اللي بيحصل ده… متخطط له من زمان قوي.
مسكت إيد ليو ومشينا.
إيده كانت ساقعة قوي، بس ماسك
سألته وأنا ماشيه:
“باباك اسمه إيه؟”
قال بعد تردد:
“كان اسمه آدم.”
الكلمة نزلت عليّا زي صاعقة.
وقفت مكاني.
“كان؟”
سألته وصوتي اتكسر غصب عني.
بصلي بنظرة أكبر من سنه وقال:
“بابا مات.”
الشارع لف بيا.
آدم…
آدم اللي اختفى من 7 سنين من غير كلمة.
آدم اللي سابني وأنا حامل ومشي.
آدم اللي قالولي وقتها إنه مات في حادث… وأنا عمري ما صدقت.
قربت منه على مستوى عينه:
“مين قالك تستناني هنا؟”
قال:
“بابا قبل ما يمشي. قالّي لو ضعت، أقعد على الدكة دي. وقالّي إنتي بتيجي من هنا كل يوم في نفس المعاد.”
دموعي نزلت.
أنا فعلًا بعدّي من هنا كل يوم… من يوم ما سبت الشقة اللي كان ساكن فيها آدم.
وصلنا لقسم الشرطة.
وأنا بحكي، الضابط كان ساكت… لحد ما سمع الاسم.
“آدم
قالها وهو بيبص في الكمبيوتر.
قلبي وقف.
“إحنا لقينا جثته من 3 أيام… في مخزن قديم جنب النهر.
وكان معاه ورقة.”
طلع الورقة وحطها قدامي.
خطه.
عرفته من أول حرف.
"لو حصل لي حاجة، ابني هيستنّى عند الدكة.
ماتخافوش عليه… هي هتيجي.
هي دايمًا بتعرف تعمل الصح."
انهارت.
كل السنين اللي عدّت…
كل الغضب…
كل الأسئلة…
كلها وقعت في اللحظة دي.
ليو شد في إيدي وقال:
“بابا كان بيحبك.”
حضنته.
حضنته كإنه قطعة من آدم رجعتلي.
بعدها عرفت الحقيقة.
آدم كان شاهد على جريمة كبيرة.
رفض يهرب ويسيب ابنه.
كان عارف إن نهايته قربت…
فخطط للحظة دي.
اختارني أنا.
مش لأنّي الأقرب…
لكن لأنّي الوحيدة اللي عمرها ما خذلته.
دلوقتي ليو نايم في أوضته.
نفس الدكة اللي كانت بداية الحكاية… بقت ذكرى.
وأنا؟
عمري ما بقيت
يمكن ماكانتش صدفة.
يمكن بعض الناس بيمشوا…
بس يسيبوا وراهم قدر…
واقف مستني في البرد.