أغلق باب الحمام
أغلق باب الحمّام، لا لأنني أخشى أن يقتحم أحدٌ منزلي، بل لأنني مرعوبة من الصبيّ ذي الأعوام التسعة الذي ينتظرني في الممر. حرّكتُ السماء والأرض لأتبنّاه،...
وها أنا الآن أختبئ خلف ثلاثة سنتيمترات من الجدران الجافة، أرتجف فوق بساط الحمّام، وأدعو الله أن يبقى نائمًا.
اسمي سارة. أبلغ من العمر ثمانيةً وأربعين عامًا.
لم أعش حياتي خلال السنوات الخمس الماضية؛ ..
بل أرشفتها. كانت جبالًا من الأوراق، وتحقيقاتٍ أمنية، ودراساتٍ منزلية متطفّلة كان فيها الأخصائيون
الاجتماعيون يحاكمون محتويات ثلاجتي. ..
أنا وزوجي أردنا أن نصبح والدين أكثر من أي شيء. وحين قالت لنا الطبيعة «لا»، بدا التبنّي وكأنه النور الوحيد.
كان الجميع في ضاحيتنا يرددون العبارات نفسها:
«يا له من أمرٍ رائع ما تفعلانه»،
«أنتما ملاكان»،
«ستغيّران حياة طفل».
صدّقتُ الحكاية الخرافية. حلمتُ بصور “يوم التبنّي” التي نراها على فيسبوك، بالارتباط الفوري، بالعناق الذي يمحو سنوات الانتظار دفعة واحدة.
ثم جاء ليو.
كان في التاسعة، منهكًا من نظام الرعاية البديلة متنقّلًا بين ستة منازل مختلفة
حاملًا حياته كلّها في كيسين أسودين للقمامة، اصطدمت الخرافة بالواقع بعنف
ليو ليس الطفل الممتنّ المحتاج إلى الحنان الذي تخيّلته.
ليو كتلة مركّزة من صدماتٍ قديمة، وغضب، وغرائز بقاء، وأنا لا أملك أي أدوات للتعامل معها.
إنه يصرخ—صرخة تُجمّد الدم في العروق.
يكسّر الأشياء عن قصد؛ في الأسبوع الماضي حطّم التلفاز بكرسي لأنني طلبتُ منه أن يغسل يديه.
إنه يرفضني تمامًا.....
إن حاولتُ احتضانه، ينتفض كأنني أمسك حديدًا محمّى، أو يهاجمني جسديًا.
ينظر إليّ بعينين ليستا لطفل.
إنهما عينان قديمتان، مرتابتان، تقيّمانني باستمرار كتهديد.
وهنا سرّي الذي لا يُحتمل—السرّ الذي سيصلبني في أي قسم تعليقات لمدوّنات الأمهات:
أنا لا أحبّه.
هل أشعر بالشفقة؟ وبشكلٍ طاغٍ.
هل أشعر بإحساسٍ ساحق بالواجب؟ نعم، بالتأكيد.
لكنني لا أشعر بالحبّ الأمومي.
حين أنظر إليه عبر طاولة العشاء، لا أرى «ابني».
أرى غريبًا متضررًا بعمق، اقتحم ملاذي.
زواجي ينهار تحت هذا الضغط؛ زوجي وأنا
لم نعد نتحدث،
سلامي الداخلي إختفى.
أشعر بأنني خُدِعت تمامًا بسردية التبنّي في هذا البلد.
لا أحد يخبرك أن الحب قد لا يأتي أبدًا.
لا أحد يحذّرك من أن اضطراب التعلّق التفاعلي قد يحوّل البيت العائلي إلى منطقة حرب تُحتجز فيها رهينة.
ومع ذلك، يتوقّع المجتمع أن أكون متوهّجة سعادة.
في متجر البقالة يسألني الناس:
«كيف تسير الأمور؟ أليس نعمة؟»
أجبر نفسي على ابتسامة، وعيناي غارقتان في الإرهاق، وأقول نعم.
لكن في داخلي، يهمس صوتٌ مرعب:
لو استطعتُ العودة بالزمن وعدم توقيع تلك الأوراق، لفعلت.
أشعر وكأنني وحش.
كيف يمكن أن تندم على طفل؟
طفلٍ ذاق الهجران أصلًا؟
إن فشلتُ معه، إن ألغيتُ هذا التبنّي، فسيُلقى به مجددًا في النظام، مهجورًا للمرة الثانية.
هذا ليس خيارًا.
لذا، أبقى.
أشدّ على أسناني.
أؤدّي واجبات الأم.
أطهو أطعمة مغذّية يرفض أكلها،
أغسل ملابس يوسّخها عمدًا،
أقوده إلى معالجين باهظي التكلفة يخبرونني
كم هو مكسور.
لكن في آخر الليل، حين يعمّ الصمت أخيرًا
أرجاء المنزل،
أجلس على أرضية الحمّام الباردة
وووووو.
أجلس على أرضية الحمّام الباردة
وووووو…
أبكي.
لا بكاءً جميلًا يُطهّر الروح، بل بكاءً مكتومًا، متكسّرًا، كأن صدري ينهار قطعةً قطعة دون صوت.
وفجأة…
أسمع طرقًا خفيفًا على الباب.
يتجمّد الدم في عروقي.
أمسح دموعي بسرعة، أُمسك بالمقبض بيدٍ مرتعشة.
يأتيه صوته.
ليس صراخًا.
ليس تهديدًا.
«سارة…؟»
يناديني باسمي.
لأول مرة.
أفتح الباب ببطء.
ليو يقف هناك، حافي القدمين، عيناه حمراوان، ويداه مشدودتان إلى صدره كطفلٍ تائه.
لا ينظر إليّ كعدو.
لا يقيّمني.
لا يتهيأ للهجوم.
يهمس:
«كنتُ فاكر إنك هتمشي… زي الباقيين.»
تنهار كل الدفاعات التي بنيتها حول قلبي.
لا أشعر بحبٍ فجائي، ولا بمعجزة سينمائية.
لكنني أشعر بشيءٍ آخر…
حقيقة عارية.
هذا الطفل لا يحتاج أمًّا مثالية.
ولا حبًّا أسطوريًا.
إنه يحتاج فقط…
شخصًا لا يختفي.
أجلس على الأرض.
أفتح ذراعيّ دون أن أطلب منه الاقتراب.
أترك القرار له.
يتردّد.
خطوة…
ثم أخرى…
ثم
لا أعده بشيء.
أتنفّس فقط.
في تلك الليلة، لا يصبح «ابني».
لكننا نصبح شيئًا جديدًا:
شخصين مكسورين…
قرّرا ألا يكسرا بعضهما أكثر.
الحبّ؟
ربما يأتي.
وربما لا.
لكن في تلك اللحظة،
وأنا أسمع أنفاسه الثقيلة تهدأ،
أدركتُ شيئًا واحدًا:
النجاة أحيانًا…
كافية.