يوم السفر
يوم السفر سألتني حماتي وهي بتحاول تبان طبيعية وعنيها بتبص في حتة تانية: "إنتي متأكدة إنك راجعتي قوانين الطيران والوزن؟ الأمن في المطار بيبقى رخم ومتشدد أوي اليومين دول.. الواحد مايضمنش ممكن يسألوا على إيه."
كان لازم أفهم الرسالة من أول لحظة حماتي حضنتني فيها فترة أطول من الطبيعي. دراعاتها كانت محاوطاني جامد، كأنها خايفة أهرب منها قبل ما تعمل الهي عاوزاه فيا . ابتسامتها كانت مرسومة على وشها وهي ساندة على كتفي، ابتسامة صفراء .. زي ما تكون بتقول جواها هخلص منك خلاص !
أنا اسمي "ليلى"، كنت مسافرة من "القاهرة" لـ "دبي" عشان أحضر برنامج تدريبي للقيادة الشركة وافقت عليه بعد ما استنيت قريب من السنة. دي كانت المفروض تكون نقلة كبيرة في حياتي المهنية، النوع ده من الفرص اللي الناس بتباركلك عليه وفي سرهم بيقولوا "يا ريتها كانت ليا".
لما روحت الصالة، البيت كان شكله مترتب بزيادة، كأن الترتيب ده جزء من قناع أو خدعة، وسكون وهدوء تحس إنه متدرب عليه مش هدوء طبيعي.
حماتي، "صفية"، كانت بتتحرك في المطبخ بنشاط وطاقة غريبة على غير طبعها الهادي والمتحفظ. كانت عمالة تدندن، وعزمت عليا بالقهوة مرتين، وعنيها كل شوية تروح ناحية
سألتني وهي بتحاول تبان طبيعية وعنيها بتبص في حتة تانية: "إنتي متأكدة إنك راجعتي قوانين الطيران والوزن؟ الأمن في المطار بيبقى رخم ومتشدد أوي اليومين دول.. الواحد مايضمنش ممكن يسألوا على إيه."
رديت عليها بنبرة عادية: "يا طنط أنا سافرت كتير.. وباخد بالي كويس."
هزت راسها، وهي معدية من جنبي، صوابعها لمست إيد الشنطة.. لمسة سريعة بس مقصودة. ومكنتش دي أول مرة. حصرى على صفحة ثقف نفسك طول الأسبوع كانت بترمي تعليقات غريبة.. تسأل عن إجراءات التفتيش، وتهزر عن التفتيش الذاتي، وتحذرني قد إيه المطارات بتبقى توتر "لو حصلت حاجة غير متوقعة". كل تعليق لوحده مكنش له معنى، بس لما حطيتهم جنب بعض، عقلي بدأ يرسم صورة لحاجة مش مريحة.
في الطرقة، كانت "مها" (سلفتي وأخت جوزي) واقفة بتلبس الجاكت بتاعها، وشنطتها مركونة جنب شنطتي.
الشنطتين كانوا نسخة طبق الأصل.. نفس اللون الرمادي الغامق، نفس الماركة، حتى نفس الخدش البسيط في زاوية الشنطة. من شهور فاتت، حماتي "صفية" صممت إننا نشتري طقم شنط واحد وموحد عشان "يسهل السفر العائلي ويبقى شكلنا شيك". وقتها، افتكرتها حركة لطيفة
"مها" ضحكت ضحكة مهزوزة وهي بتشاور على الشنط وقالت:
"شكلنا كده بنلعب مع القدر بالشنط المتطابقة دي، مش كده؟"
ابتسمت لها، بس قلبي اتقبض من جوا.
وبعدين "صفية" حضنتني تاني.
هي مش ست حنينة أوي بطبعها، بس عمرها ما كانت بتطول في الحضن كده. الحضن ده كان مختلف. استمر كتير. دراعاتها كانت قوية على ضهري، ودقنها ساندة على كتفي وخدت نفس طويل وبطيء.. زي واحد بيستعد ينط من مكان عالي.
همست في ودني وقالت: "توصلي بالسلامة.. كل حاجة هتبقى تمام."
صوتها مكنش بيتهز من المشاعر أو الخوف عليا.
كان بيتهز من الترقب والانتظار للمصيبة اللي هتحصل. وو.ووو
في العربية وأنا في طريق المطار، الحضن لسه تقيل على ضهري، وكلامها بيرن في وداني.
"كل حاجة هتبقى تمام."
الجملة دي بالذات… كانت تقيلة قوي، كأنها متقالتش ليا، كأنها رسالة لحد تاني.
وصلت المطار.
الزحمة، الصوت العالي، النداءات، ريحة القهوة… كل حاجة طبيعية، إلا قلبي.
قلبي كان بيخبط بسرعة زيادة عن اللزوم.
وقفت قدام ميزان الشنط.
حطيت الشنطة الرمادي…
الموظف بص للشاشة، وبصلي، وبص للشنطة تاني.
قال: — «حضرتك الشنطة دي تقيلة شوية…
ابتسامة خفيفة صفراء طلعت من وشي، نفس ابتسامة حماتي.
قلت بثبات مصطنع: — «مفيش غير هدومي ولابتوب.»
طلب يفتح الشنطة.
وأول ما السوستة اتفتحت…
الدنيا سكتت.
مش هدومي.
مش جزمي.
ولا حتى ريحة بيتي.
أكياس محكمة الغلق.
مواد ممنوعة.
حاجة عمري ما شوفتها غير في الأخبار.
الدم نشف في عروقي.
والصورة كملت فجأة…
الحضن الطويل.
اللمسة على الشنطة.
الأسئلة عن التفتيش.
الشنط المتطابقة.
دي مش شنطتي.
بصيت للموظف وقلت جملة واحدة أنقذت حياتي: — «دي مش شنطتي… وفي واحدة شبهها بالظبط خرجت من البيت معايا.»
الأمن اتحرك بسرعة.
تحقيق.
كاميرات.
أسماء.
وفي أقل من ساعة…
مها كانت في غرفة تانية.
وشها شاحب.
وصوتها بيترعش.
وصفية؟
صفية كانت بتتصل بيا من البيت، بتصرخ: — «ليلى طمنيني… وصلتي؟»
وصلت…
بس مش زي ما هي كانت متخيلة.
طلع كل شيء مسجل.
تخطيط قديم.
محاولة تضحية كاملة بيا…
عشان بنتها تطلع برّه الدوامة، وعشان أنا “مش من دمهم”.
مها اتحبست.
وصفية اتحولت من “حماتي الحنينة قدام الناس”
لـ مجرمة بتحاول تهرب جريمة باسم الأمومة.
أما أنا؟
سافرت بعد شهر.
بس المرة دي… بشنطة جديدة.
واسم جديد في قلبي:
اللي يبتسم وهو مستني مصيبتك، ما
يتسمّى خطر.
ومن يومها…
أي حضن أطول من اللازم؟
بعرف إنه مش شوق…
ده وداع.