كان قاعد في اوضة بيضاء

لمحة نيوز

كان قاعد في أوضة بيضا، هادية زيادة عن اللزوم، في مصحة نفسية…
زي ما هو من تلات سنين، لا اتغير ولا اتحرك.
دخلت عليه الدكتورة بابتسامة متعوّدة، ابتسامة حاولت تبقى دافية: — عامل إيه النهارده؟
رفع عينه ببطء، بصّ لها شوية، وسكت.
وبعدين قال بهدوء غريب: — تعرفي… انتي شبهها.
قعدت قدامه على الكرسي، بنفس الابتسامة، وسألته: — مراتك… مش كده؟
هز راسه، وابتسم ابتسامة وجعت القلب. — أول ما افتكرها…
كانت ملاك، مش بشر.
كنت دايمًا بسأل نفسي:
إيه اللي عملته حلو في حياتي عشان ربنا يكافئني بيها؟
سكت لحظة، وكمل وصوته بيترعش: — ضحكتها كانت بلسم لأي وجع…
كنت بنسى الدنيا أول ما أشوفها.
الدكتورة هزت راسها بيأس.
تلات سنين… ونفس الحكاية، ونفس الوجع، ومفيش أي تحسّن.
سألته بتعب: — طب مش حابب تخرج شوية؟
ضحك بسخرية، وبص لها: — انتي لسه جاية من برة…
قوليلي، في إيه برة يشجعني أخرج؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت: — أهلك.
ملامحه اتقلبت في ثانية. — دول بالذات اللي مش عايز أخرج عشانهم.
بلع غصة مُرّة، وقال بحُرقة: — هما السبب في كل اللي أنا فيه.
بصّت له بحيرة: — مش انت اللي قولتلي…
إنك انت اللي قتلتها؟
هز راسه، والدموع لمعت

في عينه، كإن الوجع حصل امبارح: — أيوه…
أنا اللي قتلتها.
بس هما اللي خلّوني أعمل كده.
غلطتي إني سمعت كلامهم.
سألته بهدوء: — مش يمكن… ما كنتش تقدر عليهم؟
فرك إيده في إيده بتوتر: — كان لازم أخدها واهرب…
بس…
بس هي اللي قالتلي لأ.
رفع عينه، وصوته اتكسر: — قالتلي هتستحمل.
وعدتني…
بس أخلفت وعدها.
غمضت الدكتورة عينيها بحزن: — تحب تحكيلي اللي حصل بالظبط؟
وسكت…
والذكريات رجعت تجرّه بالعافية.
فلاش باك
— انت هتتجوز أرملة أخوك.
— وده آخر كلام عندي.
كان واقف قدام أبوه بثبات، ورد بهدوء: — مش هتجوز على مريم…
انسى.
مصطفى صرخ فيه: — يعني نرمي ولاد أخوك؟
عشان خاطر الست الهانم ما تزعلش؟
مش كفاية جبتلنا واحدة منعرفهاش وصممت عليها؟
رد عليه بحدّة: — ولاد أخويا في عيني لآخر يوم في عمري…
بس جواز؟
لا.
مصطفى قال بغيظ: — يبقى تخرج من هنا، وما تورينيش وشك تاني.
تتحرم من الورث،
ولما أموت… ما تجيش دفنتي.
الكلام وجعه…
بس ساب البيت ومشي.
راح لها.
هي كانت كل الدنيا.
أخو صاحبه اللي مات في حادث،
ووصّاه عليها في آخر نفس.
قاله: اتجوزها واحميها.
وفي أسبوع…
كان عاشقها بكل ذرة فيه.
أول ما شافته، حضنته من غير ولا كلمة.

فضل في حضنها لحد ما نام.
صحى بعدها بساعتين…
لقاها بتبص له.
ضحك وقال بحب: — ما بتقدريش تنزلي عينك من عليّا؟
ابتسمت…
وبعدين قالت بتردد: — اسمع كلامهم.
انتفض فجأة: — انتي بتقولي إيه يا مريم؟!
مسكت وشه بين إيديها: — أنا متأكدة إنك بتحبني أنا…
ومستحيل تحب غيري…
بس مش هأقدر أستحمل
أشوف أبوك يتبرّى منك عشاني.
صوتها كان مكسور…
ووعدها كان تقيل.
قالتله: — هتحمل…
بس ما تسيبنيش.
وهو صدّق.
لكن في وعود…
بتتقال عشان نطمن اللي بنحبهم…
مش عشان نقدر ننفذها.
لكن في وعود
بتتقال عشان نطمن اللي بنحبهم
مش عشان نقدر ننفذها.
رجع من الفلاش باك وهو بيشهق، كإن نفسه اتقطع.
الدكتورة ما قاطعتش، سيباه يكمل… يمكن المرة دي النهاية تطلع.
قال بصوت واطي:
— تاني يوم رجعت البيت.
قولتلهم موافق.
أبوه ابتسم لأول مرة من شهور.
أمه زغردت.
وأرملة أخوه دخلت تبص له بنظرة خلت قلبه يقع في رجله.
كان حاسس إنه بيمشي ناحية مقصلة… بس كمل.
مريم حاولت تبقى قوية.
في الأول.
وبعدين بدأت تتكسر حتة حتة.
كل مرة يشوفها ساكتة، عينيها مكسورة، كان يسأل:
— مالك؟
تبتسم نفس الابتسامة الكدابة:
— ولا حاجة… قلتلك هأستحمل.
بس الاستحمال ليه آخر.
في
ليلة، صحي على صوت شهقة مكتومة.
لقاها قاعدة على الأرض، ضامة ركبتها، بتترعش.
حضنها… حس إنها خفيفة قوي… كإنها بتختفي.
قالتله وهي بتبكي:
— مش قادرة…
مش قادرة أشوفك لغيري
ولا أعيش وأنا حتة زيادة في حياتك.
قام جري على المطبخ يشربها مية.
رجع…
لقاها واقفة.
هادية.
زيادة عن اللزوم.
ابتسمت له نفس الابتسامة اللي بيحبها، وقالت:
— سامحني.
مد إيده…
وقعت قدامه.
العلبة كانت على الأرض.
حبوب منومة…
جرعة ما تتلحقش.
فضل يهزها ويصرخ، لأول مرة صوته يطلع من قلبه بجد:
— مريم!
افتحي عينيكي!
أنا هنا… والله ما هسيبك!
بس هي كانت سابت.
في المحكمة قالوا:
إهمال.
ضغط نفسي.
مسؤولية غير مباشرة.
بس هو من جواه كان الحكم صدر:
أنا اللي قتلتها.
الدكتورة مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور:
— انت اتعاقبت كفاية.
بص لها لأول مرة من غير ضباب في عينه.
وقال بهدوء موجع:
— لا.
أنا عايش…
وده أصعب عقاب.
قامت من مكانها، قبل ما تمشي سألته:
— لو رجع بيك الزمن؟
ابتسم ابتسامة حزينة:
— كنت ههرب…
حتى لو لوحدي.
يمكن كانت تعيش…
حتى لو من غيري.
خرجت الدكتورة، وسابت الأوضة البيضا زي ما هي.
بس المرة دي…
هو اتحرك.
قام وقف قدام الشباك.
وبص للنور
اللي داخل.
يمكن لأول مرة من تلات سنين.
مش عشان يتشافى…
لكن عشان يعترف:
إن الحب
مش دايمًا بينقذ…
وأكتر اللي بنحبهم
ممكن يموتوا
وإحنا بنسمع كلام غيرهم.

تم نسخ الرابط