قالت لي امي
سنة 1986، قالت لي أمي:
"روح يا ابني بيت خالتك أمينة وإستلف شوية رز."
ما كنتش أتوقع أبداً إنها تديني عشرة كيلو كاملين. لكن لما أمي فتحت كيس الرز… فجأة انهارت في البكاء.
والسبب الحقيقي—سبب عمري ما نسيته.
سنة 1986 كنت لسه مكمل اتناشر سنة. كانت أيام صعبة جداً في قريتنا الصغيرة. على سفرة العشا كان غالباً ما فيش غير شوية رز متخلطين ببطاطا حلوة أو ذرة، ومعاهم شوربة خفيفة من الخضار، طعمها بالكاد يُحسّ.
أبويا كان متوفي من سنين، وسايب أمي تربي تلاتة لوحدها.
في يوم بعد الظهر كان الجو بارد، والهواء بيضرب بقوة في الأراضي الزراعية. شفت أمي واقفة قدام سلة الرز، وكانت شبه فاضية. لمّت آخر الحبات بإيدها، وتنهدت تنهيدة طويلة.
قالت لي:
"يا حبيبي، روح لخالتك أمينة وإستلف شوية رز دلوقتي، وبكرة ربنا يفرجها ونرجعه."
مسكت سلة قديمة مقبضها مكسور، وقلبي كان بيدق بسرعة
شايلة شوال رز كبير، يمكن حوالي عشرة كيلو.
ناولتهولي بهدوء وقالت:
"خد ده لأمك… وما تتكسفش."
فرحت جداً، وأنا راجع البيت ما كنتش حاسس بالبرد ولا بالهوا، كل اللي بفكر فيه إن أمي هتفرح قوي لما تشوف إن عندنا أخيراً رز كفاية للعشا.
دخلت البيت وقلت بحماس:
"يمّا! ادتنا رز كتير قوي!"
خرجت أمي وساعدتني ندخل الشوال، وفتحته.
وفجأة… إيديها اتجمّدت.
كان في نص الرز الأبيض صندوق خشب قديم…
وكيس صغير مربوط بإحكام.
أنا وقفت متلخبط، لكن أمي وشها اصفرّ، وجسمها بدأ يرتعش، ودموعها نزلت فوراً.
جوه الكيس كان في جواب قديم،
من الزمن.
فتحته أمي بالراحة… وأول ما بدأت تقراه، صوتها اتكسر، وبقى مهزوز ومليان ألم.
تحب تعرف إيه اللي كان مكتوب في الجواب؟..
كملت أمي قراية الجواب بصوت مكسور:
"يا أمينة… لو الجواب ده وصلك، يبقى أنا خلاص مشيت من الدنيا. أمانة عندك… خلي بالك من أختي وولادها. الرز اللي في الشوال ده مش صدقة… ده حقهم. كل سنة وقت الشتا، إدّيهم منه من غير ما يعرفوا الحقيقة. قولي لهم ده سُلفة… علشان كرامتها ما تنكسرش. أنا عارف إن الزمن هيقسى عليهم، وأنا مش هيبقى موجود. بس إنتِ موجودة مكاني."
الجواب كان إمضاءه في الآخر: "أخوكي… حسن."
… أبويا.
أنا ما كنتش فاهم كل الكلام، بس كنت شايف أمي وهي بتنهار. قعدت على الأرض، ماسكة الورقة بإيديها، وبتعيط عياط عمره ما خرج منها قبل كده.
قالت وهي بتشهق: "أبوك… كان كل سنة قبل ما يموت، يسيب عند خالتك أمينة شوال رز
طلعت الصندوق الخشب من جوه الرز. فتحته…
كان فيه فلوس قديمة متلفة في قماشة، ومعاهم نفس الجواب بنسخة تانية، ومكتوب عليه: "لو الدنيا ضاقت عليهم… افتحي الصندوق."
ساعتها فهمت ليه خالتي بصّتلي النظرة الغريبة. مش شفقة…
كانت وجع وكتمان سر.
أمي فضلت تقول: "عمري ما كنت أعرف… عمري ما كنت أعرف إنه كان سايب لنا أمان كده."
ومن السنة دي، خالتي أمينة ما استلفناش منها رز تاني. لكن كل شتاء… كانت تبعت لنا شوال رز "هدية"، وتقول: "ده من خير ربنا."
كبرت… وعدّت السنين. وأمي ماتت وهي مطمنة إن أبويا حتى بعد موته: كان لسه بيراعينا.
ودلوقتي…
كل ما أشوف كيس رز أبيض، أفتكر الجواب الأصفر، وأفتكر إن في ناس بتمشي من الدنيا، لكن تفضل بتحمينا حتى وهي تحت التراب.
السبب الحقيقي اللي خلّى أمي تعيط؟ مش الرز… السبب إنها اكتشفت إن أبويا
كان
بس عمره ما كان عاجز عن الكرامة.