خبيت جهاز تسجيل

لمحة نيوز

خبّيت جهاز تسجيل صوتي تحت كرسي السواق بتاع جوزي… لأني كنت حاسة إن في حاجة غلط.
سمعت مكالمة ما كانش المفروض أسمعها أبدًا.
ومن غير ما أواجهه، استنيت لما نام، لمّيت هدومنا في 3 شنط ظهر، ومشيت أنا وعيالي قبل الفجر.
اسمي نعومي، عندي 41 سنة، وعايشة في جنوب غرب أتلانتا مع جوزي جوليان وولادنا الاتنين: إيماني 13 سنة، وإيلايجا 10 سنين، في بيت طوب شكله طبيعي جدًا من برّه… بس جواه كانت الحكاية غير.
أنا شغلي إدارة برامج في مركز صحي مجتمعي قريب من بانكهيد.
شغلانة تعلّمك إزاي تثبتي صوتك حتى وإنتِ من جوه بتتهزي، لأن الناس معتمدة عليكِ تكوني ثابتة حتى لما الدنيا تبقى قاسية.
جوليان شغال في المبيعات… شغلانة تكافئ الكاريزما والثقة.
ومع الوقت، اتعلّم يخلي سيطرته شكلها عادي، كأنها النظام الطبيعي للبيت.
ماكانش بخطب طويلة…
كان بزفرات صغيرة،
بطريقته وهو يستهين بالميزانية كأني مكبّرة الموضوع،
بطريقته اللي خلّت مرتبي يحسّسني إنه حاجة زيادة مش ضرورية… كأنه يقول:
“نقدر نعيش من غيره لو حبيت.”
اتقابلنا في حفلة شواء يوم “جونتينث” وإحنا صغيرين، وقت ما كنا بنخلط بين حلم الشخص وأخلاقه.
وقعدت سنين أقول لنفسي:
إحنا بنبني إرث…
علشان هو كان دايمًا بيقول الكلام الصح، وأنا كنت عايزة أصدّقه.
وبعدين… البُعد دخل حياتنا زي الصدأ.
بالهداوة… ومن غير صوت…
وفجأة بقى في كل حتة.
السنة اللي فاتت، بقينا عايشين في بيت واحد بس

كل واحد في سكة.
هو يطلع بدري، يرجع متأخر،
يقعد في ركن الجيم أو قدام التلفزيون والصوت واطي،
وأنا أشغّل البيت كله لوحدي… من غير ما حد يسألني:
“إنتِ محتاجة إيه؟”
وفي نص الطريق، بقيت حاسة إني بختفي جوه مطبخي.
أدهن توست، أصب قهوة، أرتّب كل حاجة زي ما هما متعودين…
وفجأة أكتشف إن محدش سألني أنا عايزة إيه من شهور.
وبعدين التفاصيل الصغيرة بدأت تتراكم.
وقعدت أضحك على نفسي وأقول: عادي.
برفيوم جديد.
هدوم جديدة.
حلاقة كل أسبوع.
“تطوير ذات” شكله ثقة لو مش إنتِ الست اللي عايشة جنبه.
وفي ليلة وأنا براجع حساباتنا زي كل شهر،
لقيت مصاريف ما تمثلناش:
مطاعم عمري ما دخلتها،
فندق في باكهيد،
ورد رايح لعنوان ما أعرفوش.
سألته…
لا اتلخبط،
ولا اعتذر.
تنهد… كأني بسأل سؤال هو حاله قبل كده.
واداني ردود جاهزة:
عشا شغل، علاقات عمل، بناء علاقات،
“إنتِ ما بتسمعيش لما أتكلم عن شغلي.”
طبّع قبلة على راسي ومشي.
وأنا فضلت قاعدة على الترابيزة…
والإحساس البارد اللي بييجي لما حد يكذب بسهولة دخل قلبي.
فبطّلت أسأل.
بطّلت أحاول أمسِكه بالكلام…
لأنه كان أشطر مني في الكلام.
استنيت.
هدِيت.
وعملت اللي دايمًا بعمله في الشغل لما حاجة تحسّها غلط:
جمعت دليل قبل ما أتحرك.
بعد كام يوم، وأنا واقفة في زحمة I-20 والراديو شغال،
سمعت قصة عن ست عرفت الحقيقة لأنها سجلت كلام جوزها لما كان فاكر نفسه في أمان.
الليلة دي ما نمتش.
الصبح عملت
الفطار كأن مفيش حاجة،
بوسّت عيالي،
شفت جوليان وهو ماشي بالكوباية الحرارية بتاعته،
وقلت لنفسي:
لو أنا غلطانة… همسح كل حاجة وأعيش بالإحراج لوحدي.
بس لو أنا صح…
لازم أعرف قبل ما هو يسبقني بخطوة.
بعد أسبوع، رجعت خدت جهاز التسجيل،
ورحت قعدت في بارك هادي،
فيه ملاهي فاضية وشمس العصر مائلة على الكراسي.
قعدت في العربية، ماسكة الموبايل كأني لو سيبته هقع.
في الأول:
دوشة طريق،
ماتش كورة،
وصوته وهو بيدندن كأنه معندوش حاجة يخبيها.
وبعدين ضغطت على تسجيل في نص الأسبوع…


ولما قالت له:
“إنت قلتلي إنك هتقول لها…”
تنهد…
وقال اسم عمري ما سمعته قبل كده.
وساعتها فهمت:

أنا سامعة خطة.قعدت في العربية فترة طويلة بعد ما التسجيل خلص.
ما عيطّتش.
ما صرختش.
كنت ساكتة… بس جوايا كل حاجة كانت بتتكسر.
من كلامهم فهمت كل حاجة:
إنه ناوي يسيب البيت،
وناوي يقول إني “صعبة” و“دايمًا شغلانة مشاكل”،
وناوي يطلع من الجوازة نظيف…
ويسيبني أنا أشرح للعيال ليه أبوهم اختفى فجأة.
رجعت البيت يومها عادي جدًا.
عملت أكل.
ذاكرت مع الأولاد.
ضحكت له على نكتته السخيفة.
وسألته:
“هتتأخر بكرة؟”
قال: “يمكن شوية.”
وابتسم.
الليلة دي لما نام،
قعدت أبص في سقف الأوضة،
وأفكر:
هو شايفني ضعيفة؟
ولا شايفني مش شايفة؟
قمت بالراحة.
فتحت دولاب الولاد.
لمّيت هدومهم.
مش لعب كتير… بس الحاجات اللي يعرفوا يعيشوا بيها.
٣ شنط ظهر.
شنطة لإيماني.
شنطة لإيلايجا.

وشنطة لذكرياتي اللي ما قدرتش أسيبها.
ما أخدتش حاجة من هدومي غير جاكيت تقيل وصورة قديمة لينا وإحنا بنضحك.
مش علشان أحنّ…
علشان أفتكر إني كنت في يوم ست بتحب وبتتصدق.
قبل الفجر بشوية،
صحّيت الولاد بهدوء.
قلت لهم:
“هنروح عند خالتكم كام يوم.”
ما سألوش ليه.
يمكن كانوا حاسين إن في حاجة غلط زيي.
طلعت من البيت من غير صوت.
قفلت الباب ورايا بالراحة.
والبيت اللي قضيت فيه عمري…
سابني أمشي من غير ما يحاول يمسكني.
وأنا سايقة،
إيماني قالت من الكنبة ورا:
“ماما… إحنا مش هنرجع هناك، صح؟”
ما قدرتش أكذب.
قلت:
“مش دلوقتي يا حبيبتي.”
وصلنا بيت أختي مع أول نور الصبح.
حضنتني من غير أسئلة.
والعيال ناموا على الكنبة وهما لسه لابسين الجاكيتات.
بعد يومين،
بعت له رسالة واحدة بس:
“أنا سمعت التسجيل.
مش محتاجة تشرح.
خد وقتك… بس متيجيش البيت.”
رد بعدها بساعتين:
“إنتِ تجسستِ عليّا؟”
ضحكت ضحكة قصيرة وباردة.
مش علشان الموضوع مضحك…
علشان هو لسه شايف نفسه الضحية.
رفعت قضية.
مش علشان أنتقم.
علشان أحمي نفسي وولادي.
البيت اتباع.
العفش اتقسم.
الناس سألت:
“ليه سيبتِه؟”
وقلت جملة واحدة:
“علشان ما ينفعش أعيش مع حد بيخطط لحياتي من غيري.”
دلوقتي أنا ساكنة في شقة أصغر.
مفيهاش حديقة،
ولا سور طوب أحمر.
بس فيها هدوء.
بعمل فطار وأنا مش خايفة من اللي راجع بالليل.
بنام وأنا مش حاسة إني هختفي أكتر بكرة.
وكل ما أفتكر نفسي وأنا مخبية
جهاز تسجيل تحت كرسي عربيته،
أفهم حاجة واحدة:
أنا ما كنتش بدوّر على خيانة.
أنا كنت بدوّر على الحقيقة.
والحقيقة…
هي اللي خلتني أمشي قبل ما ينتهي دوري في حياتي.

تم نسخ الرابط