انتي متعرفيش جوزي مين
“إنتي متعرفيش جوزي مين؟ ده صاحب المستشفى!”
اللي ما كانتش تعرفه إن “جوزها” ده… كان جوزي أنا، وأنا أصلاً مالكة المبنى كله.
—
«لو سمحتوا سيبوه! يا ممرضة هاتي شنطة الإسعافات بسرعة!»
صوت دكتور شريف، صديقي المقرّب ورئيس قسم القلب، كان مالي بهو مستشفى النور التخصصي.
كنت لسه واصلة من السفر من شهر برّه مصر، تعبانة بس متحمسة أعمل مفاجأة لجوزي عمر، المدير التنفيذي للمستشفى.
بس أول مشهد شوفته ما كانش عمر…
كان شريف راكع على الأرض، عرقان، بيحاول ينقذ مريض مُغمى عليه.
مشهد خلاني أفتكر أبويا الله يرحمه، اللي بنى المكان ده على فكرة إن “الإنسان قبل أي حاجة”.
لكن على بُعد خطوتين بس… كان في مشهد تاني خلّى دمي يفور.
بنت صغيرة لابسة فستان بينك قصير وضيّق زيادة عن اللزوم، واقفة بتزعق في عم سعيد، عامل البوفيه عندنا بقاله أكتر من 40 سنة، إيدها في وسطها وصوتها عالي:
— «إنت ما بتفهمش؟!
قولتلك تركن عربيتي في الضل!
إنت غبي ولا بتستعبط؟ الشنطة البراند بتاعتي اتشوّهت من الحر!»
اتجمدت في مكاني.
البنت لابسة كارنيه مكتوب عليه “متدربة”…
بس تصرفاتها كأنها صاحبة المكان.
والأوسخ من كده؟
طلّعت موبايلها وفتحت لايف، وبدّلت وش الغضب بابتسامة مصطنعة:
— «بصوا يا جماعة الخدمة الزفت…»
ولا كأن في بني آدم بيموت على بعد مترين.
ما قدرتش أسكت.
عدّلت بدلتي البيضا — كانت هدية من أبويا — ومشيت ناحيتها،
— «لو سمحتي»، قلت بهدوء تقيل،
«إنتي بتقلّي أدبك على موظف كبير، ومخالفة لبس، وكمان بتصوري من غير إذن. اقفلي الموبايل.»
بصّتلي من فوق لتحت باحتقار.
كنت باينة مرهقة، من غير ميكاب، شعري مربوط.
بالنسبالها… أنا ولا حاجة.
— «وإنتي مين بقى؟ ست مكشرة جاية تعمليلي فيها مديرة؟
روحي شوفي دكتور يكشفلك.
أنا هنا محدش يقدر يكلّمني.»
— «قولت اقفلي الموبايل»، نبرتي نزلت وبقت خطيرة.
«وإلا هطلب الأمن يطلعك برّه.»
عينيها وسعت، وبعدها عملت حاجة ما تتصدقش.
ابتسمت ابتسامة مستفزة، واتحركت ناحيتي عمداً.
فجأة…
حسّيت بساقعة لزجة على صدري.
كوباية قهوة مثلجة اتكبت عليّ، وبقعة بنّي شوّهت بدلتي البيضا.
القهوة نزلت على الجزمة، وريحتها ملت المكان.
الردهة سكتت.
كل العيون علينا.
وهي؟
بدأت تمثيل:
— «يا نهار أبيض!
إنتي زقّتيني!
بوظتِ فستاني البراند!
هحاسبك على ده!»
قربت مني وهمست بصوت مليان سم:
— «الأحسنلك تعتذري وتطلبي السما.
إنتي مش عارفة أنا مين؟
جوزي عمر السيوفي… صاحب المستشفى دي!
بيعملّي اللي أنا عايزاه، وبيطرد أي حد أشاور عليه.
هتندمي إنك اتولدتي.»
الوقت وقف.
عمر؟ جوزها؟
مش خوف…
غثيان.
ده عمر جوزي.
الراجل اللي أنا متجوزاه بقالنا عشر سنين.
اللي أنا سلّمته إدارة المكان ده بإيدي.
بصّيت للبقعة على بدلتي…
وبعدين ليها…
وبهدوء تلج، طلّعت موبايلتي.
— «يعني عمر السيوفي
مسحت نقطة قهوة من على دقني.
«غريبة قوي…
أصله متسجل عندي باسم حبيبي.»
رفعت الصوت على مكبّر.
نغمة الرنين دوّت في الردهة.
وشها اتحوّل من انتصار…
لرعب.
— «ألو؟ يا ليلى يا قلبي… وصلتي؟»
صوت عمر جاي من السماعة.
ابتسمت…
ابتسامة تقيلة زي الحديد.
— «انزل الاستقبال حالاً يا عمر»، قلت قدّام الكل.
«متدربتك سكبت القهوة عليّ وقالت إنها مراتك.
قدّامك خمس دقايق.»
الردهة كانت ساكتة إلا من صوت جهاز القلب اللي شغال مع المريض، ونغمة موبايل عمر اللي لسه قافلة.
البنت المتدربة بلعت ريقها. حاولت تضحك: — «أكيد بتهزري… ده جوزي، بيكلّمني كل شوية.»
ما رديتش. كنت ببص عليها كأني بشوفها لأول مرة… تجربة معملية فاشلة.
بعد دقيقتين، باب المصعد اتفتح. وعمر دخل… بدلته غالية، ريحته برفيومه المعروف، ونظرته دايمًا واثقة.
لكن أول ما شافني… وشّه سحب الدم.
— «ليلى؟! إنتي رجعتي إمتى؟»
البنت جريت عليه ومسكته من دراعه: — «حبيبي! الست دي شتمتني وكبّت عليا قهوة وبتدّعي إنها ليك!»
بص لها… وبعدين بص لي… وبعدين للأرض.
أنا: — «حلوة قوي كلمة بتدّعي.
طب قولي يا عمر… دي مراتك؟ ولا أنا؟»
سكت.
الصمت كان أعلى من أي صريخ.
شريف (دكتور القلب) قرب وهو لسه لابس جوانتي: — «في مريض بين الحياة والموت، وإنتوا عاملين سيرك؟
بس يهمني أعرف… الست دي قالت إنها مرات المدير.»
عمر حاول يتكلم: — «ليلى… الموضوع مش زي ما
قاطعتُه: — «آه؟
مش زي ما أنا شايفة؟
مش شايفة واحدة بتضرب موظف، وبتصوّر لايف، وبتقول إنها مراتك؟
ولا كمان شايفة عقد الجواز اللي في شنطتي؟»
طلّعت الملف. نسخة من قسيمة جوازنا. والتوكيلي ليه بإدارة المستشفى. والسجل التجاري… باسمي أنا.
البنت بصّت لعمر: — «هو… هو إيه ده؟»
صرخت:
إنت قلتلي إنك مطلق!
وإن المستشفى دي بتاعتك!»
رفعت صوتي: — «المستشفى دي ملك شركة أبويا،
وأنا الوريثة الوحيدة.
وعمر هنا… مجرد مدير متعيّن بعقد.»
بصّيت للأمن: — «اتفضّلوا… المتدربة دي برّه فورًا.
وتحرير محضر اعتداء وتشويه سمعة منشأة طبية.»
هي انهارت: — «لااا! ده هو اللي قاللي أعمل كده!
قاللي أتعامل على إني صاحبة المكان!»
بصّيت لعمر: — «علشان كده كنت بتأخر؟
علشان كده كنت مش عايزني أجي مفاجأة؟»
شريف قال بهدوء قاتل: — «المريض استقر.
بس اللي مش هيستقر… إدارة المستشفى.»
مدّ لي عمر المفاتيح: — «ليلى… سامحيني…»
خدتهم. لكن ما خدتش إيده.
— «إنت مرفود من منصبك.
والحساب بينا في المحكمة… مش في البيت.»
لفّيت ناحية عم سعيد اللي كان واقف مكسور: — «حقك عليّ يا عم سعيد…
من النهارده، أي حد يغلط فيك… يغلط فيّ أنا.»
الردهة كلها صفقّت. حتى الممرضة اللي كانت ساكتة.
وأنا ماشية… سمعت المتدربة بتعيّط: — «يعني… هو مش صاحب المستشفى؟»
ردّ عليها شريف: — «لا يا بنتي…
دي اللي سكبتِ عليها القهوة… هي صاحبة
خرجت من بهو المستشفى… والبقعة البنيّة لسه على بدلتي.
لكن لأول مرة… ما حسّتش إنها وسختها.
حسّيت إنها علّمتها.