فتحت باب الشقه
"فتحت باب الشقة ولقيت مرات ابني واقفة بابتسامة صفراء وبتقولي: 'والله يا حماتي ما يغلى عليكي، دي شوربة حمام محشي بالخطلة السرية عشان ترم عضمك'.. مكنتش أعرف إن 'رم العضم' معناه إني هتحجز في القبر قبل العشا!"
اللانش بوكس الاستيل كان محطوط قدامي على رخامة المطبخ، بارد وتقيل زي القنبلة الموقوتة اللي مستنية لمسة عشان تنفجر. "عبير" مرات ابني، اللي مابتعرفش تسلق بيضة، جاتلي الساعة 11 الصبح وهي بتنهج وتقولي بلهفة غريبة: "يا ماما دي شوربة حمام مخصوصة، فيها أعشاب نادرة وغالية جايباها من بره، لازم تشربيها الساعة 2 الضهر بالثانية وهي سخنة نار، وممنوع تسخنيها تاني عشان مفعولها ميروحش!".
فتحت الغطاء.. ريحة السمن البلدي مغطية على ريحة تانية، ريحة نفاذة، "مُرّة" لدرجة إنها لسعت لساني وأنا بشمها بس. حدسي اللي اتربى في بيوت العيلة وبقالوا 60 سنة بيفهم في الأصول والناس، صرخ في ودني: "اهربي".
مكلتهاش. دلقت السائل الغامق ده في الحوض، وكنت بتفرج عليه وهو نازل وبيدوب معاه آخر ذرة ثقة كانت فاضلة لي في البنت دي.
قعدت جنب التليفون الأرضي.. وحطيت إيدي على قلبي.. واستنيت.
الساعة جات 2:05 الضهر.. التليفون رن.
أخدت نفس عميق، ثبتُّ إيدي اللي بتترعش، ورفعت السماعة. كان لازم أمثل "دور عمري".
"أيوة يا عبير يا حبيبتي؟"
"ماما؟
"ياااااه يا عبير! تسلم إيدك يا بنتي!" رديت بفرحة تمثيلية خلت صوتي يرقص. "كتر خيرك إنك افتكرتيني."
سمعت صوت "تنهيدة" ارتياح طويلة من الناحية التانية. وبعدين سألت بصوت واطي: "يعني خلصتيها كلها؟ بالهنا والشفا.. حاسة بإيه دلوقتي؟"
"والله يا بنتي، في الحقيقة.. أنا مكلتهاش."
السكوت نزل على الخط زي الصخرة. "إيه؟ مكلتيهاش ليه؟" صوتها بدأ يترعش ويهمس بذعر.
"أصل الصراحة يا حبيبتي، نفسي اتسدت، وقلت خسارة الحمام الغالي ده يترمي.. وفجأة افتكرت مامتك "الحاجة مرفت". مش إنتي قلتي لي إنها عندها دور برد شديد ومحتاجة حاجة تقويها؟"
"أمي؟.. إنتي بتقولي إيه؟ أمي أنا؟" عبير بدأت تصرخ وصوتها بقى رفيع ومجنون.
"أيوة يا حبيبتي! قلت مرفت أولى مني بالدلع ده. ركبت تاكسي ورحت لها الشقة من ساعة.. ولحقتها وهي لسه صاحية."
الناحية التانية كان فيه صمت كأنه صمت القبور. كنت سامعة نهجانها المكتوم، كأن روحها بتتسحب.
"إنتي.. إنتي أديتي الشوربة.. لأمي؟" همست عبير وصوتها انكسر تماماً.
"أيوة يا حبيبتي! ده كانت فرحانة بيكي أوي وقالتلي 'بنتي طول عمرها أصيلة'.. شربت الشوربة كلها قدامي يا عبير، ولحست الطبق كمان. قالت لي بس إن طعمها مغير شوية،
ثانية.. ثانيتين..
وفجأة، انفجر البركان.
"لااااااااااااااااااااااااا!"
صوت صرختها كان عالي ومرعب لدرجة إني أبعدت السماعة عن ودني. صرخة واحدة لخصت كل الرعب والندم اللي في الدنيا.
"جرى إيه يا عبير؟ بتصوتي ليه يا بنتي؟!" سألتها بمنتهى البراءة والهدوء.
عبير بدأت تصرخ بهستيريا وجنون: "أمي بتمووووت.. أنا قتلت أمي بإيدي يا حماتي!! أنا اللي حطيت السم في الشوربة ليكي إنتي!!!"
وقبل ما أرد عليها، سمعت صوت خبط ورزع وصوت "مرفت" وهي بتضحك جنبي في الصالون وبتقولي: "ها يا فوزية؟ كفاية عليها كده ولا نكمل التمثيلية؟"
ضحكة الحاجة مرفت كانت مالية الصالون، وأنا لسه ماسكة السماعة وعبير بتعيط وتولول في الناحية التانية:
"أنا قتلت أمي… أنا قتلت أمي بإيدي!"
بصّيت للحاجة مرفت وغمزتلها بعيني، وهي دخلت أوضة النوم وقفلت الباب وراها عشان الصوت ما يوصلش للتليفون.
رجعت للسماعة وقلت بصوت مخضوض مصطنع:
"يا نهار أبيض! سم إيه يا عبير؟ إنتي بتقولي إيه؟! إنتي عايزة تموتيني؟!"
صرخت أكتر:
"أنا كنت عايزة أخلّص منك… عشان الميراث كله يروح لجوزي… مكنتش أعرف إن أمي هي اللي هتشربها!"
سِكّتُّ.
سيبتها تعترف… تعترف بكل
قالت وهي بتشهق:
"العطار اللي جبت منه الأعشاب قالي الجرعة صغيرة تموّت واحدة كبيرة في سنك… وأنا قلت محدش هيشك في شوربة حمام!"
قربت التليفون من الترابيزة…
وكان المسجل شغال من أول كلمة.
قلت لها بهدوء تقيل:
"طب اسمعي بقى يا بنتي… أمك مش ماتت."
سكتت فجأة.
"يعني… إيه؟"
قلت لها ببرود:
"الشوربة اترمت في الحوض. وأمك قاعدة بتشرب شاي جنبي دلوقتي."
سمعت صوت شهقة كأن روحها خرجت.
"إنتي… بتكدبي؟!"
فتحت باب الأوضة وناديت:
"تعالي يا مرفت قولي لها بنفسك."
الحاجة مرفت قربت من السماعة وقالت:
"مساء الخير يا عبير… لسه عايشة يا بنتي. وسمّك ما جابش نتيجة غير عليك."
وقع التليفون من إيد عبير.
وسمعنا صوتها وهي بتنهار:
"أنا ضيعت نفسي… أنا ضيعت نفسي…"
قفلت الخط.
بصّينا لبعض…
وسكتنا شوية.
وبعدين قلت:
"دلوقتي بقى نعمل الصح."
تاني يوم…
الاعتراف الصوتي كان في النيابة.
العطار اتجاب.
والتحقيق فتح.
ابني لما عرف، وشه شحب كأنه شاف عفريت.
قال:
"يعني كانت هتموتك عشان الفلوس؟"
قلت له:
"اللي يرضى يقتل… يرضى يخون… ويبيع… ويكسّر بيتك."
اتحبست عبير بتهمة الشروع في القتل.
واتكتب في القضية:
"اعترفت بمحاولة تسميم حماتها بدافع الطمع في الميراث."
أنا؟
رجعت بيتي…
شربت شاي بنعناع.
وحمدت ربنا إن الحدس اللي قال لي "اهربي" كان صوت ربنا مش صوت خوف.
وبقيت
"مش كل شوربة سخنة نية طيبة…
وفيه ابتسامات… مسمومة أكتر من السم نفسه."