ابني بين الحيا والموت
"ابني بين الحيا والموت في أوضة العمليات، وأمي بتبعتلي تقولي ابعتي 15 ألف جنيه عشان فستان فرح أختك.. أصل العيلة لبعضها!"
أنا اسمي هناء، عندي ٣٤ سنة. من ٣ أيام بس، كنت قاعدة لوحدي على كراسي المستشفى المصدية، سامعة صوت ضربات قلبي مع كل تكة في الساعة، وابني ياسين صاحب الـ ٧ سنين جوه في العمليات.
مفيش مخلوق من أهلي رفع سماعة التليفون، ولا حد كلف نفسه يجي يواسينى بكلمة.
بعد ٣ أيام من الرعب والسهر والقهوة المرة، وأنا لسه بمسح دموعي والواد لسه بيفوق، لقيت رسالة من "ست الحبايب" جمدت الدم في عروقي:
"يا هناء، أختك نيرمين لقت فستان أحلامها بـ 15 آلاف جنيه، والمحل عايز الفلوس بكرة الصبح ضروري. ابعتيهم النهاردة يا بنتي، إحنا ملناش غير بعض، والعيلة لازم تسند بعضها في الظروف دي."
> الكاتبه نور محمد
ومعاها صورة للفستان، ورسالة تانية: "شكراً مقدماً يا حبيبتي، كلك ذوق."
أنا بقى بعت لها "جنيه واحد" بس في المحفظة الإلكترونية، وكتبت لها ملحوظة: "اشتري لها بيه طرحة.. ده اللي فاضلكم عندي بعد ما بعتوا ابني وهو بيموت."
الجنيه ده مكنش هزار، ده كان أول مسمار في نعش استغلالهم ليا اللي دام سنين.
أنا عايشة في القاهرة، شغالة في بنك وطلعت عيني عشان أبني
بدأت اشتغل من وأنا ١٦ سنة عشان "نشيل قرش لنادي نيرمين" و"دروس نيرمين". لما جه وقت جامعتي، قاولولي "انتي شاطرة وهتجيبي منحة"، لكن نيرمين دخلوها جامعة خاصة بآلاف الجنيهات، وأنا اللي كنت بسدد الأقساط من شغلي ليل نهار.
عارفين مين اللي دفع "خلو" شقة بابا وماما لما كانوا هيتردوا منها؟ أنا. عارفين مين اللي سدد ديون فيزا نيرمين اللي وصلت لـ 50 ألف جنيه في "اللبس والمنظرة"؟ أنا. وفي كل مرة يقولولي "آخر مرة يا هناء، معلش دي أختك الصغيره".
الموضوع مكنش فلوس وبس، دي قسوة قلب. لما قولت لأمي إن ياسين عنده مشاكل في صمامات القلب، ردت عليا ببرود: "يا حبيبي.. طب تصدقي قطة نيرمين كمان تعبانة ومحتاجة كشف؟"
يوم الأربع اللي فات، ياسين جالي المطبخ وشه أصفر زي الليمونة، وماسك بطنه وبيصرخ. في المستشفى قالوا "زائدة دودية منفجرة"، ولازم عمليات فوراً. كلمت أمي وأنا بترعش: "إلحقيني يا أمي، ياسين داخل العمليات حالا!"
ردت
في اللحظة دي، حاجة جوايا انكسرت للأبد. اتصلت بنيرمين، كنسلت عليا. ابني سألني وهو خايف: "هي تيتة زعلانة مني يا ماما؟".. قولتله: "لا يا حبيبي، تيتة بس مشغولة شوية." كان لازم أحميه من الحقيقة المرة.
قعدت ٣ أيام على كراسي المستشفى البلاستيك، باكل بسكويت من "الكانتين"، لحد ما جت الرسالة المستفزة عن فستان الفرح.
هنا أخدت قراري.. اللعبة خلصت.
مش بس مش هتدفع مليم، أنا قررت أسترد كل "شقى عمري" اللي نهبوه بالسنين. وبما إني شغالة في الحسابات والتمويل، فأنا عارفة بالظبط "أربط الحنفية" إزاي وأجيبهم كلهم راكعين.. والبداية كانت بـ "الجنيه" اللي بعته.
تاني يوم الصبح، وأنا خارجة من المستشفى بعد ما ياسين فاق وبقى مستقر، بصيت على الموبايل ولقيت 27 مكالمة من أمي ونيرمين.
ولا رديت.
دخلت الشغل، قعدت على مكتبي، وفتحت كل الملفات القديمة اللي كنت محتفظة بيها سنين: إيصالات تحويل. صور فيزا نيرمين. إيصالات إيجار الشقة. رسائل واتساب:
"حوّلي بسرعة"
"إحنا في زنقة"
"آخر مرة يا هناء"
جمعتهم كلهم في ملف واحد وسميته: "حساب العيلة".
وبعت رسالة واحدة بس على جروب العيلة:
"
وأول رقم فيه: 437,200 جنيه.
ودي فلوس ابني مش فلوس فستان."
الدنيا قامت.
أمي بعتت: "إنتي اتجننتي؟ إحنا أهلك!"
رديت: "أهلي اللي سابوا ابني في العمليات، مش أهلي اللي بيلبسوا على حسابه."
نيرمين اتصلت تعيط: "إنتي عايزة تبوظي فرحي؟"
قلت لها بهدوء عمري ما كنت أعرفه: "لا… أنا بس مش هموّله."
بعدها بيومين، روحت لبيت أهلي لأول مرة من غير خوف.
حطيت الملف على الترابيزة.
قلت لأبويا: "دي كل حاجة دفعتها عنكم وعن بنتكم.
من النهاردة:
يا إمّا الفلوس ترجع بالتقسيط.
يا إمّا أقطع أي مساعدة للأبد."
أمي سكتت.
أول مرة أشوفها مش لاقية كلمة.
نيرمين قالت: "يعني مش هتدفعي الفستان؟"
بصتلها وقلت: "إنتي لابسة فستان بـ15 ألف… وأنا كنت لابسة قلق وأنا ابني بين الحياة والموت."
الفرح اتعمل…
بس بفستان إيجار.
الشقة اتسدد إيجارها…
بس من مرتب أبويا.
وأنا؟
رجعت بيتي، حضنت ياسين، وهو قال لي: "ماما… إنتي بطلة؟"
ابتسمت وقلت: "لا يا حبيبي…
أنا أم بس قررت تحمي قلبها وفلوسك."
آخر رسالة بعتها لأمي كانت:
"العيلة اللي تاكل لحم ولادها…
مش عيلة،
دي فاتورة."
ومن يومها: ما
لأني أخيراً
اخترت ابني
على حسابهم.🔥🫢