الساعه كانت اتنين

لمحة نيوز

الساعة كانت بالظبط 7:12 الصبح
تليفوني اهتز فوق ترابيزة المطبخ.
بصّيت على الشاشة…
اسم أبويا.
قلبي اتقبض تلقائي.
أبويا عمره ما بيتصل غير يا إمّا في مصيبة
يا إمّا علشان يفكّرني إني مالياش قيمة في العيلة.
ردّيت.
قال بصوت بارد كأنه بيقرا خبر في الجورنال:
"جدك مات. العزا يوم الجمعة. وساب كل حاجة… وإنت مالكش ولا مليم."
سكتُّ.
مش من الصدمة.
ولا من الحزن.
من السكون.
وفجأة سمعت صوت أمي من بعيد، واضح إن التليفون عندهم على سبيكر.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة شماتة وقالت:
"أهو كده بقى… خرجت برّه العيلة رسمي."
بصّيت قدامي.
اللي قاعد قدامي على الترابيزة كان…
جدي.
عايش.
وبيقلّب في الشاي بتاعه بهدوء،
البخار طالع، والشمس داخلة من الشباك على وشه.
ملامحه كانت

هادية…
بس عينه كانت مركزة فيا
كأنه بيقول من غير كلام:
هتعمل إيه دلوقتي؟
ما اعترضتش.
ما صرختش.
ما قلتلهمش إنهم كدابين.
ببساطة…
دوست زرار السبيكر.
أبويا كمّل وهو فاكر سكوتي ضعف:
"ومتجيش العزا… مفيش حاجة ليك هنا."
في اللحظة دي…
جدي حط المعلقة على الطبق.
الصوت كان واطي…
بس مقصود.
مدّ إيده على ظرف مقفول كان جنب كباية الشاي.
ظرف تقيل… رسمي… يخوّف.
قرّب وشه من التليفون
وصوته كان ثابت… واضح… ما فيهوش هزار.
وقال كلمة واحدة بس:
"لأ."
الخط سكت.
ولا نفس…
ولا صوت…
ولا ضحكة.
صمت تقيل…
كأنه قبر اتفتح فجأة.
بعد ما جدي قال كلمة
"لأ."
الخط فضل ساكت ثانيتين
وبعدين أبويا قال بتوتر:
"مين اللي بيتكلم؟"
جدي رد بهدوء يخوّف:
"أنا اللي المفروض تكونوا دفنتوني
من شوية."
سمعت أمي شهقة مكتومة.
وأبويا صوته اتلخبط:
"إزاي؟… إنت… إنت مش…؟"
جدي قاطعه:
"مش ميت؟ لأ، أنا عايش.
وعايش كفاية إني أسمع إنكم قسمتوا ورثي وأنا لسه بتنفس."
سكتوا.
ولا واحد فيهم عرف يرد.
جدي فتح الظرف التقيل اللي كان قدامه،
طلع منه ورق رسمي،
وقال:
"كنت ناوي أسيب كل حاجة باسم ابني…
بس واضح إن الطمع سبق الموت."
بصلي وقال:
"إنت يا بنتي الوحيدة اللي فضلت معايا.
الوحيدة اللي سألت عليا لما مرضت.
والوحيدة اللي ما استنتش أموت علشان تفرح."
رجع بالتليفون على ودنه وقال:
"من اللحظة دي…
كل اللي كنت ناوي أسيبه لكم… بقى باسمها هي."
أمي صرخت:
"إنت بتهزر؟! دي بنت صغيرة!
إحنا أولى!"
ضحك جدي ضحكة قصيرة وقال:
"أولى بإيه؟
بالكذب؟
ولا بإعلان وفاتي
وأنا عايش؟"
أبويا حاول يصلّح:
"يا بابا إحنا كنا بنهزر بس…"
جدي رد بسرعة:
"اللي بيهزر ما بيحجزش عزاء."
قفل المكالمة.
وسند ضهره على الكرسي وهو بيتنفس بعمق.
بصلي وقال:
"كنت مستني أعرف الحقيقة قبل ما أمشي.
دلوقتي عرفت."
بعدها بأسبوع…
العزا اتعمل فعلًا.
بس مش ليه.
اتعمل لسمعة عيلة ماتت.
ولعلاقة اتحفرت قبرها بنفسها.
أبويا وأمي حضروا
بس ما حدش سلّم عليهم.
وأنا؟
كنت واقفة جنب جدي
وإيدي في إيده
قدام المحامي
وهو بيوقّع آخر ورقة.
ورقة مكتوب فيها:
كل ما أملك… باسم حفيدتي الوحيدة.
جدي مال عليّ وقال بهمس:
"في ناس بتستنى الموت علشان تاخد حقها…
وفي ناس بتخسر كل حاجة
وهي فاكرة نفسها كسبت بدري."
بصّيت ناحية أبويا وأمي
كانوا واقفين بعيد
ولا قادرين يقربوا
ولا
قادرين يتكلموا.
ساعتها فهمت…
إن أسوأ حاجة ممكن تعملها
مش إنك تموت بدري…
لكن إنك
تدفن نفسك بالطمع
وإنت لسه عايش.

تم نسخ الرابط