قعدت خمس سنين

لمحة نيوز

قضّيـت ٥ سنيـن كاملـة برعـى مراتـي المشلولـة....وفـي اليـوم اللي نسيـت فيـه محفظتـي ورجعـت البيـت آخـدها… أول ما فتحـت البـاب...نَفَسـي اتخـنق....اللـي شوفـته ضـربني ضـربة ما كـنتش مستعـد لهـا، كـأن حـد سحـب الهوا من صـدري مرة واحدة....في لحـظة واحـدة كـل اللي حميتـه،...وكل اللي استحملتـه ،وكل اللي اعتبرتـه مقـدس وقـع .....!!!!

أنا اسمـي يحيـى. في أوائل التلاتينات، بس شكلي يدي على خمسين. جسمي نحيل، والهالات السوداء محفورة تحت عيني زي خنادق وجع، وشايل على كتافي تعب السنين من غير ولا شكوى. حياتي كانت بسيطة جداً مع مراتي "دنيا"، في شقة متواضعة في "حـي السيـدة زينـب"، وسط ريحة البخور وود الناس الطيبين......

كنا إحنا الاتنين مدرسين في مدرسة ابتدائي. مكنش عندنا قصور، بس كان عندنا اللي أغلى من الدهب:
احترام متبادل، روتين هادي، وحب حقيقي ملوش تمن.

كل ده اتهد في يوم من أيام ديسمبر الباردة، قبل راس السنة بكام يوم....
دنيا نزلت تشتري طلبات من السوق.. عربية نقل فراملها خانتها خبطتها في تقاطع زحمة. لما المستشفى كلمتني، كنت واقف بشرح في الفصل.. حصري على صفحة روايات و اقتباسات فاكر كويس لحظة ما الطباشير وقع من إيدي، وجريت وأنا مش شايف قدامي.....

مبقتش

عارفها وهي على النقالة.. الست اللي كانت شعلة نشاط، اللي ضحكتها كانت بتملى الفصل، واللي كانت بتغني وهي بتطبخ......
كانت مرمية جثة هامدة، والرعب متجمد في عينيها. إصابة خطيرة في العمود الفقري.. شلل نصفي.....

من اليوم ده، عالمي كله اتلخص في "أوضة واحدة".
أخدت أجازة مفتوحة من مدرستي. بقيت أنا اللي بأكلها، وأحميها، حصري على صفحة روايات و اقتباسات وأغير لها الملايات، وأعمل لها مساج لرجليها اللي مابقتش تحس بيها. كل حاجة في البيت بقت مسؤوليتي. شقتنا اتحولت لعيادة صغيرة: أدوية، شاش، أجهزة علاج طبيعي، وريحة "سبرتو" ويأس مالي الأركان....
قرايبنا كتير قالوا لي:

"يا يحيى، اوديها دار رعاية متخصصة، إنت بتضيع شبابك".
وكنت دايماً ردي واحد:
"دي مراتي.. هشيلها في عيني لحد ما أموت"....
عشان أقدر أصرف على علاجها، بدأت أشتغل في تصليح الكهرباء في أي حتة. كنت برجع مهدود، بس كل ليلة كنت بقعد جنب سريرها أقرأ لها روايات قديمة، حصري على صفحة روايات و اقتباسات وأحكي لها عن تلاميذي في المدرسة، وعن شجر الياسمين اللي منور في الشارع.. كنت بحاول أفكرها إن الدنيا لسه فيها حياة.....
دنيا كانت نادراً ما بتتكلم.

هزت دماغ.. دموع مكتومة.
كنت فاكر إنه الوجع.. أو حب عاجز عن الكلام.


عمري ما شكيت في لحظة......

السنين مرت.. والناس بطلت تزورنا. في اللي قالها لي في وشي: "سيبها وعيش حياتك". مكنتش بلومهم، لأن رعاية حد في الحالة دي رحلة طويلة وموحشة.
لحد العصر المشؤوم ده.
وأنا في طريقي للشغل، اكتشفت إني نسيت محفظتي.. فيها فلوسي وبطاقتي وكل ورقي. رجعت وأنا متضايق وبقول لنفسي:
"مش هتأخر، ثانية واحدة وهنزل تاني".
فتحت الباب بالراحة......

نور الشمس الضعيف كان داخل من الشباك وكأنه كشاف بيكشف جرح متعفن....دنيا مكنتش في السرير....كانت....!!!! و و و.....نور الشمس الضعيف كان داخل من الشباك وكأنه كشاف بيكشف جرح متعفن…
دنيا مكنتش في السرير…
كانت قدام الشباك.
واقفـة… لكن مش وقفة كاملة.
ساندة بإيديها على حافة الترابيزة، جسمها مايل شوية، وكأنها بتجرّب رجليها مش بتستعرضهم.
كنت فاكر إني بهلوس.
همست:
"دنيا…؟"
لفّت ببطء.
وشها اتلخبط، وعيونها وسعت كأنها اتقفشت في حاجة ما كانتش عايزة حد يشوفها.
قالت:
"رجعت ليه؟"
قلت وأنا مش قادر أحدد صوتي طالع من صدري ولا من خوف خمس سنين:
"محفظتي…
إنتي… واقفة؟"
قالت بسرعة:
"لا…
يعني… بحاول."
بصيت حوالين الأوضة.
الكرسي اللي كنت بجرّه جنب السرير كل يوم متشال.
الشرشف متطبق بعناية مش زي عادته.
ريحة عطر غريبة في

الجو… مش ريحتها.
قلت:
"من إمتى بتحاولي؟"
سكتت لحظة أطول من اللازم.
وبعدين قالت:
"من شوية."
بس عينها كانت بتهرب مني.
قربت منها خطوة، رجلي كانت تقيلة.
قلت:
"طب ليه عمرك ما قولتي؟"
قالت:
"كنت خايفة."
"من إيه؟"
قالت:
"من التغيير."
الكلمة نزلت عليّ تقيلة.
مش عارف ليه حسّيت إن في حاجة مش بتتقال.
بصيت للسرير…
لقيت وسادة مش مكانها.
وهدومها مش مرمية زي كل يوم.

وأنا كنت نازل من دقيقة.
قلت بهدوء غريب:

قالت بسرعة:
"لا."
لكن صوتها كان أسرع من اللازم.
قعدت على الكرسي اللي كنت بقعد عليه وأنا بأطعمها.
قلت:
"دنيا…
إنتي مخبية عني إيه؟"
قالت:
"ولا حاجة."
بس دموعها نزلت قبل ما تكمل.
وساعتها فهمت…
من غير ما تقول…
إن في مسافة اتخلقت بينا وأنا ما كنتش شايفها.
مش خيانة لها صوت.
ولا شكل.
بس لها إحساس…
إحساس إنك برّه الصورة فجأة.
تاني يوم، صحيت بدري زي عادتي.
حضرت لها الفطار.
وساعدتها تقعد.
إيدي كانت بترتعش.
قلت لها:
"أنا هارجع الشغل."
قالت:
"ليه؟"
قلت:
"عشان لازم أفتكر أنا مين…
مش بس أفتكر إنتي محتاجة إيه."
ما ردتش.
سيبت لها الورقة على الترابيزة.
مش طلاق…
إخطار سفر.
خرجت وأنا حاسس إن في بيت
لسه واقف
بس الروح مش فيه.
النهاية المفتوحة:
ويمكن كانت بس تعبت من العجز.

إنهم الاتنين سابوا بعض
من غير ما يقولوا.
بس المؤكد…
إن في لحظة
يحيى فهم
إن التضحية لوحدها
ما تكفيش عشان تفضل محبوب.

تم نسخ الرابط