بعد مااطلقت

لمحة نيوز

بعد ما اتطلقت و الدنيا اسودت في وشي، ملقيتش قدامي غير سلسلة أمي القديمة أبيعها – كانت هي القشة اللي هتسندني عشان أدفع الإيجار اللي كاسر ضهري. دخلت محل الدهب، وقلبي بيدق ألف دقة في الدقيقة. الصايغ مرفعش عينه فيا في الأول.. بس أول ما مسك السلسلة، إيده اتنفضت كأنه ماسك جمرة نار. سرقتيها منين دى

بصلي بذهول وهمس: "دي جيبتيها منين يا بنتي؟"
قلتله بكسرة: "دي بتاعة أمي." الراجل رجع لورا ووشه جاب ألوان، وقال: "يا نهار أبيض.. الراجل ده قالب عليكي الدنيا وبيدور عليكي من عشرين سنة!"

وقبل ما أنطق بكلمة، كان فتح باب المحل الجواني بالراحة.. وطلع منه راجل نده اسمي بنبرة واحد عمره ما نسي، كأن الاسم محفور في قلبه.

أنا اسمي نجلاء حسني، وكنت طول الأسبوع قاعدة بحسبها بالورقة والقلم؛ وصل الإيجار متأخر وصاحب البيت عينه وحشة وممكن يرميني في الشارع. طليقي "كريم" مقصعش، خد الجمل بما حمل؛ الفلوس والعربية وحتى الكنبة مسبهاش.. كأنه كان قاصد يحسسني إني "طلعت من المولد بلا حمص".
المحل كان مزنوق بين دكان رهن وفرن

عيش قافل، من النوع اللي لو مشيتي جنبه مية مرة مش هتاخدي بالك منه. رنيت الجرس ودخلت. الصايغ كان راجل عجوز، شعره شايب

ومسرحه لورا، لابس نضارة سلك وإيده فيها "صنعة" السنين.
قلتله وأنا بطلع السلسلة من الشنطة: "عايزة أبيع دي يا حاج." كانت سلسلة دهب بسيطة، تقيلة ومجرحة شوية. أمي الله يرحمها مكنتش بتقلعه من رقبتها لحد ما دخلت المستشفى. كانت دايمًا توصيني: "اوعي تفرطي فيها يا نجلاء، دي وراها حكاية." وأنا الهبلة كنت فاكرة إنها بتقول كدة عشان غالية عندها وبس.
أول ما مسكها، ملامحه اتخطفت.. كأن السلسلة كهربته.
وشه بقى زي الورقة البيضا، ومال عليا بضيق عين كأنه بيقرأ الغيب، والجو في المحل فجأة بقى تقيل ومقبض. صوت المطر بره كان بينقر على الزجاج زي دقات قلبي.
سألني بصوت واطي: "بقولك جيبتيها منين؟"
رديت بوجع: "قلتلك بتاعة أمي، فاطمة حسني، ماتت السنة اللي فاتت."

بلع ريقه بصعوبة وسحب الكرسي لورا.. "لأ.. مش معقول.." إيده كانت بتترعش وهو بيطلع عدسة مكبرة ويبص على نقش صغير ورا القلادة عمري ما شفته. كان بيبرطم

بكلام مش مفهوم كأنه بيقرأ تعويذة.

حاولت أهزر عشان أفك التوتر اللي أنا فيه وقلتله: "يا حاج لو صيني أو فالصو قوللي.. أنا بس مزنوقة في قرشين للإيجار."
مضحكش.. بالعكس، بص ورايا فجأة كأنه شاف خيال.
قال بصوت مكسور: "يا بنتي، صاحب السلسلة دي قالب عليكي الأرض من عشرين سنة."

قلبي سقط في رجليا.. "صاحب إيه؟ أنا معرفش حد!"
رجعت أنفاسه تتقطع، وهو بيبصلي بعينين مليانين خوف واحترام، وقال:
"مش أي حد يا نجلاء… الراجل ده كان أغنى وأخطر تاجر دهب في القاهرة في تمانينات القرن اللي فات. اختفى فجأة، والناس كلها قالت إنه اتقتل أو هرب… لكن السلسلة دي كانت آخر أثر ليه."
قلبي دق بسرعة لدرجة إني حسيت إنو ممكن يخرج من صدري.
قلتله: "يعني… إيه علاقة السلسلة بيا؟ أنا أصلاً معرفش الراجل ده."
ضحك ضحكة قصيرة، بس فيها حزن: "يا بنتي… كل حاجة وراها قصة. الراجل … إلا دلوقتي."
اتساقط المطر بره على الزجاج، والجو كله أصبح كأنه فيلم قديم. فجأة، الباب اتفتح من نفسه، والراجل اللي دخل من الباب الجواني كان كريم… طليقي.
نظرة واحدة

بيني وبينه كانت كافية عشان أفهم. هو كان بيحاول يخبّي حاجة… السلسلة دي مش بس للديون… ده سر كان بيحميه من عشرين سنة.
الصايغ حط السلسلة على الطاولة، وبص لكل واحد فينا: "يا جماعة… الحاجة اللي في إيدكم مش مجرد دهب… دي مفتاح لحكاية كانت مفروض تفضل مدفونة."
كريم وقف متردد، وقال أخيرًا: "نجلاء… أنا… أنا معرفش أشرحلك دلوقتي… بس اللي حصل كان أكبر من أي خلاف بيننا."
دموعي نزلت، وأنا فاهمة أخيرًا كل حاجة… السلسلة مش بس كانت أغلى من أي دهب، دي كانت الرابط الأخير اللي جمع أمّي بحبها الحقيقي… وربنا قدر إنها توصل ليا لما كنت محتاجة الدعم، مش فلوس طبعًا، لكن الحقيقة.
وقفت أخد نفس طويل، وأنا حاسة بسلام غريب… عالم السلسلة، والغموض، والحب القديم، كله اتقفل مع لحظة المطر والاعتراف.
الصايغ ابتسم وقاللي: "خديها… حتي لو هتبيعيها، خليها على الأقل تذكرك إن بعض الحكايات ما بتنتهيش… بس أصولها لازم تحترم."
طلعت من المحل، المطر بيغسل وجهي، وبسمة صغيرة على شفايفي… حسيت إنّي مش لوحدي… حتى بعد الطلاق، حتى بعد كل الخسارة،
الدنيا لسه فيها حكايات تنتظر تكتشفها.

تم نسخ الرابط