غسلت سلالم البيت الكاتبه نور محمد

لمحة نيوز

"غسلت سلالم البيوت عشان يطلعوا هما للدور الأخير.. وفي الآخر استعرّوا مني!"

أنا اللي شققت إيدي من الكيماويات والصابون عشان هما إيديهم تفضل ناعمة ويمسكوا القلم.. أنا "الست سعاد"، اللي قضت 30 سنة بتمسح عرقها بطرف طرحتها وهي بتجري بين البيوت عشان تربي "دكتور" و"مهندسة".. والنهاردة، في ليلة فرح ابن الكبير، سمعت الجملة اللي ذبحتني من غير سكينة.
بدأت الحكاية من 25 سنة، لما جوزي مات وسابلي اتنين برقبتي، أكبرهم "حازم" كان عنده 7 سنين. لا مديت إيدي لحد والا طلب المساعده، واشتغلت في البيوت، أغسل وأطبخ وأمسح، عشان ميبقوش أقل من حد. حازم بقى جراح مشهور، ونهى اتجوزت راجل أعمال، والكل نسى "سعاد" اللي كانت بتشيل الشنط على كتفها. الكاتبه نور محمد
يوم الخميس كان فرح "حازم" في فندق من بتوع الـ 5 نجوم. لبست أحسن ما عندي، عباية نضيفة وجبتها بدم قلبي، ورحت وأنا قلبي بيرقص من الفرحة. دخلت القاعة، لقيت حازم واقف مع عروسه وأهلها، ناس "هاي" أوي ولابسين ألماظ.
روحت عليه عشان أضمه، لقيته اتخض، ووشه اتخطف. شدني من إيدي ووداني ركن بعيد وقال بصوت واطي ومخلوق: "إيه اللي جابك

بدري كدة يا ماما؟ وليه لابسة العباية دي؟ أنا مش قولتلك استني في البيت وأنا هعدي عليكي بعد الفرح؟"
قلتله بكسرة: "يا حازم ده فرحك وانت ابني الوحيد، عايزني استنى في البيت؟"
سابني ومشي من غير ما يرد، وبعتلي "الويتر" قالي: "الدكتور بيقولك اقعدي في التربيزة اللي ورا الستارة دي عشان الزحمة."
قعدت ودموعي في عيني، لحد ما سمعت حماته بتسأل حازم بصوت عالي شوية: "يا حازم، مين الست اللي كانت واقفة معاك دي؟ دي الشغالة القديمة اللي كنت بتقول عليها؟"
قلبي وقف، واستنيت رده.. استنيت يقول دي أمي، دي تاجي، دي اللي عملتني راجل.
لكن حازم بص للأرض وقال ببرود: "أيوة يا طنط، دي الست اللي كانت بتساعدنا زمان في البيت، هي ست طيبة وجت تبارك، هتمشي دلوقتي حالا."
الدنيا اسودت في عيني. قمت وأنا رجلي مش شايلاني، وخرجت من الفندق والناس كلها بتبص عليا. وقفت على الرصيف في عز البرد، لا معايا تمن تاكسي ولا قادرة أروح شقتي القديمه اللي هما باعوها عشان يكملوا تمن شقة "التجمع".
بس حازم نسي حاجة مهمه اوي هتدمر فرحه وشكله قدام معارفه كلها والحاجه دي تبقى.. 
#الكاتبه_نور_محمد
عايزين تعرفوا
"الست سعاد" عملت إيه لما رجعت البيت؟ وإزاي خلت حازم يجي يزحف تحت رجليها قدام نسايبه في نص الفرح؟ خرجت “سعاد” من الفندق وهي مش شايفة قدّامها، رجليها بتترعش، ودماغها بتلف من الصدمة. ركبت ميكروباص بصعوبة، ورجعت على أوضتها الصغيرة اللي كانت ساكنة فيها بعد ما باعوا شقة العمر.
قعدت على السرير، وبصّت في السقف وقالت: “أنا ما عملتش فيكم كده عشان تيجوا في يوم تستعرّوا مني.”
قامت فتحت الشنطة القديمة اللي كانت مخبياها تحت السرير، وطلعت ظرف بني كبير…
الظرف ده كان فيه كل حاجة: ✔ إيصالات مصاريف كلياتهم
✔ وصل بيع الشقة
✔ عقد القرض اللي أخدته عشان يكمّل دراسته
✔ والأهم… عقد الشقة الجديدة في التجمع باسمها هي، مش باسمه
آه…
“سعاد” كانت ست غلبانة، بس مش غبية.
كانت عارفة إن الزمن دوّار، وعارفة إن الفلوس بتغيّر النفوس.
مسحت دموعها، لبست طرحتها تاني، وخدت الظرف وركبت تاكسي وقالت للسواق: “على الفندق… بسرعة.”
دخلت القاعة تاني، والفرح في عزّه، والزغاريد مالية المكان.
راحت ناحية التربيزة اللي قاعدين فيها أهل العروسة، وقالت بصوت عالي هادي بس قاطع: “لو سمحتوا… أنا أم الدكتور
حازم.”
القاعة سكتت.
حازم لف وشه، اتشلّ في مكانه.
كملت وقالت: “مش الشغالة…
مش الست اللي كانت بتساعدنا…
أنا اللي بعت دهبها، وباعت شقتها، واشتغلت خدامة عشان ابنها يبقى دكتور.”
طلعت الظرف وحطته على الترابيزة قدّام الناس: “وده عقد الشقة اللي ساكن فيها دلوقتي باسم مين؟
باسمي أنا.
وده القرض اللي لسه ما تسدّدش، وأنا اللي ماضي عليه.”
أم العروسة شهقت: “يعني إيه الكلام ده؟!”
بصّت لها سعاد وقالت: “يعني لو أنا شغالة…
يبقى الدكتور اللي قاعد قدّامك ده طلع على كتفي.”
حازم قرب منها وهو صوته مكسور: “ماما… أنا كنت خايف أحرج قدّام الناس…”
بصّت له بعين موجوعة وقالت: “وأنا ماحرجتش قدّام عمري كله؟
ما كسرتش ظهري عشانك؟
كنت خايف من كلام الناس… ومخفتش تكسر قلب أمك؟”
نزل على ركبته قدّام القاعة كلها وقال: “سامحيني يا أمي… والله أنا غلطان… سامحيني.”
سعاد سحبته ووقفته وقالت: “قوم يا حازم…
أنا أمك مش خصمك.
بس من النهارده…
يا تفتكر أصلك،
يا لا تقول عليّ أمك تاني.”
سيبت القاعة وخرجت وهي راسها مرفوعة، وكل العيون عليها باحترام، مش شفقة.
وفي اليوم ده: الفرح كمّل…
بس حازم عمره ما نسي
اللحظة اللي أمّه رجّعته فيها راجل قدّام الناس كلها.

تم نسخ الرابط