بعت هدوم جوزي
بعت هدوم جوزي للغسيل. فجأة، اتصلوا بيا الموظفين:
"ست الكل، فيه حاجة غريبة جدًا في الجيب..."
ولما شوفتها، كنت هقفّل.
ماكنتش شاكّة في أي حاجة لما حطيت قمصان شغله أحمد في شنطة الغسيل الزرقا. كان يوم الحد، والريحة في شقتنا كانت ريحة منظف ليمون والعيش المحمص اللي اتحرق شوية. عادي. طبيعي. النوع الممل اللي كنت دايمًا فاكرة إنه آمن.
أحمد قبل جبهتي وهو ماشي: "هروح أخلص شوية حاجات"، زي ما دايمًا بيعمل. كان عنده أربع وتلاتين سنة، مدير متوسط في شركة شحن إقليمية، نوعية الرجالة اللي تحس معاهم بالأمان. كنا متجوزين خمس سنين. لسة ما عندناش أولاد، أغلب السبب إني عملت إجهاضين وكنت حاسة جسمي بيعاقبني عشان نفسي أبقى أم. أحمد كان دايمًا بيقولي "خدي وقتك"، لكن في الفترة الأخيرة صبري كان بيتجرب.
حطيت الشنطة في "برايت ويف" للغسيل، المكان الصغير اللي مملوك لعيلة. هما بيعرفوني كويس. الست ألفاريز دايمًا تمدح المعاطف بتاعتي وتسأل عن أمي. دفعت، واخدت الإيصال، ورجعت البيت وقلبي مرتاح كده.
بعد ساعتين، رن موبايلي.
"ست الكل؟" قالت واحدة صوتها مشوش. "ده برايت ويف للغسيل. أنا آسفة جدًا لإزعاجك، بس... لقينا حاجة في جيب جوزك. ده... شيء غريب جدًا."
معدتي تقلّصت.
وقفت كأنها بتختار كلماتها بعناية.
"فيه كيس بلاستيك صغير. فيه... حبوب بيضا. وكمان بطاقة مفتاح. زي مفتاح أوتيل."
كدت أسقط الموبايل من إيدي. "متأكدة إنها لجوزي؟"
"أيوه"، قالت بسرعة. "الاسم مخيط على القميص. أحمد كريم. ما فتحناش أي حاجة تانية، إحنا بس — معرفناش نعمل إيه."
حلقي انغلق. حبوب بيضا. مفتاح أوتيل. أحمد اللي "بيخلص المهمات". أحمد اللي بييجي البيت وريحته عطر مش أنا شاريه.
"هجي حالًا"، قدرت أقول.
قدت هناك وأنا شبه مخدره، إيدي مش حاسة على عجلة العربية. وقفت في موقف السيارات، وبصيت على علامة المغسلة كأنها ممكن تفسر كل حاجة.
جوه، الموظفين باين عليهم التوتر. الست ألفاريز مش موجودة، كانت بنتها. الكيس الصغير اتنزل من فوق المنضدة من غير ما تمسه مباشرة، كأنه ملوّث.
جوه الكيس كان فيه خمس أقراص بيضا مختومة بحرف "M" صغير وأرقام ماعرفتهاش. بطاقة مفتاح الأوتيل عليها شعار: "أجنحة النيل".
عيوني ضاقت. قلبي بيخبط جامد لدرجة إني حسيت بألمي.
"ست الكل"، همست البنت، "تحبي نبلغ البوليس؟"
حدقت في الشنطة تاني، وبصيت على حاجة تانية مدسوسة في الركن: ورقة مطوية، مبلولة من الغسيل لكن لسة مقروءة.
فتحتها بإيدي المرتجفة.
ملاحظة مكتوبة
"
حلقي اتقفّل.
عشان الخميس مكانش يوم عشوائي. يوم الخميس هو اليوم اللي بروح فيه لدكتور الخصوبة. وأحمد كان دايمًا مصرّ إن هو يوصّلني...
وقفت وأنا ماسكة الورقة، وإيدي بترتعش كأني مسكة اعتراف مكتوب بالدم.
"نفس الأوضة… ما تعرفش هي."
وفيه سر مربوط بيومي أنا… يوم علاجي… يوم ضعفي.
لم أطلب الشرطة.
قلت لهم بصوت مبحوح:
"شكرًا… هآخد الحاجة دي وأمشي."
رجعت البيت، قفلت الباب ورايا بالمفتاح مرتين. حطيت الكيس وبطاقة الأوتيل والورقة على الترابيزة، وقعدت قدامهم ساعات… لحد ما الشمس نزلت.
لما أحمد رجع، كان طبيعي.
نفس الابتسامة. نفس "وحشتيني".
لكن أنا كنت شايفة واحد تاني.
قلت بهدوء قاتل:
"أحمد… إنت كنت فين النهارده؟"
قال:
"الشغل كالعادة. ليه؟"
طلعت بطاقة المفتاح من جيبي وحطيتها قدامه.
لون وشه راح.
"لقيتها في جيبك… في الغسيل."
سكت.
والسكات كان اعتراف أطول من أي كلام.
قلت:
"والحبوب دي؟ والملاحظة؟ و(هي)؟"
قعد على الكرسي فجأة، كأن رجليه خانته.
قال بصوت واطي:
"أنا… كنت عايز أقولك."
ضحكت ضحكة مكسورة:
"امتى؟ بعد ما أبقى مجنونة رسمي؟ ولا بعد ما أضيع عمري؟"
تنفس بعمق وقال:
"أنا مش بخونك."
ضحكت تان:
"آه طبعًا… ودي غرفة اجتماعات؟!"
قال
"أنا كنت باخد حبوب تنشيط… مش ليا… ليكي."
اتجمدت.
"إيه؟"
قال: "الدكتور قال إن المشكلة الأكبر عندي… الحيوانات المنوية ضعيفة.
وأنا خفت أقولك… كنت حاسس إنك شايلة ذنب مش ذنبك.
فكنت باخد أدوية من غير ما تعرفي، وبقابل دكتورة في أوتيل قريب من المعمل عشان الخصوصية."
سكت شوية، وبعدين قال: "و(هي)… هي الدكتورة."
الهواء اتسحب من الأوضة.
قلت:
"والجملة دي؟ (ما تعرفش هي)؟"
قال وهو بيبص في الأرض: "كنت كاتب لنفسي… ما تعرفيش إن المشكلة مني… عشان ما تكرهيش نفسك أكتر."
سكتنا.
أنا افتكرت كل مرة عيطت فيها لوحدي.
كل مرة قلت: "جسمي بايظ."
وهو كان ساكت.
قلت بصوت واطي: "يعني سيبتني أكره نفسي سنتين… عشان تحميني؟"
قال: "كنت فاكر إن السكوت رحمة."
وقفت.
قلبي موجوع، بس غضبي كان أكبر.
قلت: "الرحمة مش في الكذب يا أحمد… الرحمة إنك تمسكني وإنت بتقولي الحقيقة، مش تسيبني أمشي لوحدي في الوهم."
فضل ساكت.
خدت شنطتي.
قال بخوف: "رايحة فين؟"
قلت: "رايحة لدكتور الخصوبة… لوحدي… لأول مرة وأنا عارفة الحقيقة."
سابني أمشي.
بعد أسبوع…
رجعتله بورقة تحليل جديدة.
قلت: "الدكتور قال فيه أمل… بس مش لوحدك… مع بعض."
عيونه دمعت.
قلت: "بس قبل العلاج… فيه علاج تاني أهم."
قال: "إيه؟
قلت: "الصدق."
ومن يومها، بقينا نروح سوا.
مش عشان الخلفه بس…
عشان نرجّع زواج كان مات شوية…
واتبعث من الغسيل.