ابويا غسل
قصة حقيقية حدثت في مصر - ١٤ نوفمبر ١٩٩٤
"أبويا غسل عاري بإيده ودفنّي صاحية عشان يداري جريمته، مكنش يعرف إن التراب اللي نزل فوق راسي هو اللي هيحفظني عشان أرجع وأهدم المعبد فوق دماغه ودماغ اللي وزّوه."
في قرية ريفية هادية في قلب الصعيد، بدأت الحكاية اللي تخلي الولدان شيباً. "سعاد" كانت بنت رقيقة، ملهاش في القال والقيل، بس للأسف كانت هي العقبة الوحيدة قدام عمامها عشان يورثوا "الأطيان" والبيت الكبير بعد وفاة جدها. في ليلة غبرة، أختها الكبيرة "فايزة" -اللي الغيرة أكلت قلبها- اتفقت مع عمها "منصور" ولفقوا لسعاد تهمة تمس الشرف، تهمة في الصعيد معناها "الدم".
أبوها، "الحاج جابر"، راجل صعيدي دُغري بس كلمة "العار" كانت بتخليه يفقد عقله. من غير ما يسمع دفاعها، وفي لحظة غضب أعمى، جرجرها لغرفة قديمة ورا البيت، وضربها لحد ما فقدت النطق، ولما افتكر إن روحها طلعت، شالها مع عمها ودفنوها في "قبر قديم" مهجور في طرف الجبانة وسدوا الفتحة بالحجارة. الكاتبه نور محمد
قعدت
مرت شهور، والكل افتكر إن سعاد "غار غُرب" أو اندفنت وخلاص، وأبوها قفل قلبه وباله، وعمامها بدأوا يقسموا الميراث والدهب وهما بيضحكوا. وفي ليلة "كتب كتاب" أختها فايزة على واحد من أغنى أغنياء البلد عشان يكملوا السيطرة..
وفجأة، النور انقطع عن البيت كله، وظهر خيال أبيض واقف على الباب، وصوت "سعاد" البحوح من كتر الصراخ هز الحيطان وهي بتقول:
"أنا جيت يا حاج جابر عشان أبارك لفايزة على جهازي اللي سرقتوه.. وجيت آخد حقي من اللي حفر قبري بإيده!"
الصدمة اللي حصلت وقتها خلت الأب يقع مشلول في مكانه، والتكملة فيها تفاصيل "قانونية" وقصاص رباني لا يتخيله عقل!
بعد ما ظهرت "سعاد" فجأة قدام البيت، الدنيا كلها توقفت. الباب اتفتح على صرير والهواء تعبّد من صدى صرختها، والبيت كله، حتى الحيطان، رجّوا من قوتها. أبوها
سعاد، وهي شبه مغطاة بالتراب والغبار، رفعت صوته وهي بتتنفس بصعوبة:
"أنا جيت آخد حقي! اللي دفنني ما يعرفش إن الحق بيرجع أكتر قوة!"
الجيران اللي سمعوا الصراخ ركضوا للبيت، ووقفوا على الباب وعيونهم واسعة من الرعب والفضول. الأطفال بدأوا يبكوا، والرجال شالوا عصيان في إيدهم من شدة الخوف.
سعاد مش بس كانت حية، لكن دماغها كانت صافية، وعندها خطة. اتصلت بنفسها بالشرطة قبل ما أي حد يقدر يتهور، وقالت لهم مكانها بالضبط وبالأدلة اللي قدرت تحمي نفسها بيها.
في الجبانة القديمة، الضباط لقوا آثار الحفر والحجارة، وأدركوا إن الواقعة أكبر بكثير من مجرد شائعة عن نزاع عائلي. لما شافوا الجثة اللي كانت ممكن تتحول لجريمة قتل، أدركوا إن "سعاد" نجت بمعجزة.
أبوها وعمها وفايزة، كلهم وقعوا تحت قبض القانون. المحكمة كانت صارمة، وأصدرت أحكام بالسجن المؤبد لفايزة وعمها بسبب
بعد المحاكمة، سعاد رجعت للبيت، لكن البيت الكبير اللي كان رمز للسلطة والميراث تحول لرمز للعدالة. كل جدار فيه أصبح يذكرها إن الحق مهما اتأخر، بيظهر.
سعاد بدأت تكتب مذكراتها، وكتبت فيها:
"التراب اللي حاول يخنقني هو اللي حفظني. اللي دفنوني كانوا فاكرين إنهم أخافوني، بس ده اللي خلاني أرجع أقوى. العدالة مش بس قانون، العدالة إرادة ربنا اللي ما تغلطش."
وفي الأيام اللي بعدها، سعاد اتجهت لمساعدة البنات في القرية والريف، البنات اللي زيها كانوا معرضين للظلم، وقررت إنها تحميهم وتعلمهم إزاي يواجهوا الخطر، مش بالعنف، لكن بالذكاء والقانون.
اللي اتعلموه أهل القرية بعد الواقعة دي إن الغيرة والطمع ممكن يدمروا العائلة، لكن الحق والشجاعة ممكن يرجعوا الأمور لمكانها الصحيح. والبيت الكبير، رغم كل التاريخ الأسود اللي فيه، أصبح رمز إن الظلم مهما طال، الحقيقة هتظهر