جوزي قالي بحبك
جوزي قالّي “بحبك”… وبعدها قفل عليّ كهف وسابني أموت
قبّل ودني وقال وهو بيتنهد:
"بحبك"
وبعدها بلحظة… قفل عليّ باب كهف في سييرا نيفادا ومشي.
لا صريخت، ولا توسّلت.
مشيت في الضلمة لحد ما وصلت لتليفون عمومي في مطعم بكراسي فينيل، وكبّاية مية كانت أغلى من الذهب.
لما دخلت قسم الشرطة وقلت اسمي، وشفت وشّ المأمور شاحب فجأة، حسّيت إن الشارة اللي على صدره بقت تحذير مش أمان.
كان يوم اتنين بعد الضهر، الهوا في الجبال كان ساقع وحاد، ونور العربية كان بيعدّي على الصخور المبلولة.
تشارلز وقف على باب الكهف، شنطة الرحلات على ضهره، وابتسم كإننا لسه فريق واحد، وقال بهدوء غريب:
"الصخور دي هتدفّيكي."
وقفل الباب.
الشمس اختفت.
والسكوت اللي دخل بعده… ماكانش سكوت حادثة، كان سكوت قرار.
خمستاشر سنة جواز ما بتنهارش مرة واحدة…
بتنهار لما الراجل يبطل يشوفك شريكة، ويبدأ يشوفك عبء.
أنا كنت دايمًا في الشغل، في بعثات ودراسات، أفوّت أعياد ميلاد ومناسبات، وأنام في فنادق بردانة، عشان شغلي مهم.
هو كان زمان بيقول عليّا “اكتشافه العظيم”، وبعدين بقى يسكت كل ما أتكلم عن
الساعة كانت 8:12 بالليل.
موبايلّي فصل.
بُقي ناشف من العطش.
ونقط المية في الكهف بقت تعدّ أنفاسي.
وفجأة…
نور.
فانوس بيقرب.
ورجل طويل بيقول:
"اهدَي… أنا مش هأذيكي."
اسمه إلياس.
قال إن في مخرج تاني…
بس لازم نزحف في ممرات ضيقة ونعدّي نهر تحت الأرض.
قفلت على عيّناتي كويس، مش عشان الصخور أهم من النفس،
لكن لأن الخطوط السودة دي بقت دليل…
دليل على النية،
دليل على الخطة.
مشيت وراه، وأنا بخنق خوفي عشان عقلي يفضل صاحي.
قبل الفجر، زحفنا وخُضنا مية، وسمعنا الهوا بيتغيّر زي ما الواحد يسمع عربية جاية في طريق ضلمة.
بعد 3 ساعات، طلعنا للنور.
دخلنا مطعم بسيط بكراسي فينيل وعدّاد قديم.
التلفزيون كان شغال.
وتشارلز عليه جاكيت أسود، واقف قدّام الكهف، بيمثّل دور الزوج الحزين،
بيقول إنه حاول ينقذني بكل الطرق.
النادلة بصّت على هدومي وقالت:
"حضرتك كويسة؟"
عدّيت الشارع على قسم الشرطة.
العلم قدّام المبنى باهت.
النور جوّه فلوري مزعج.
وقلت:
"أنا ناتالي فيغا… وجوزي حاول يقتلني."
المأمور كتب اسمي…
وشّه شحب.
وطوّى صوته وقال:
"الموضوع ده بقى أكبر منّي."
وبعدين
"لو سمحتي… ما تمشيش."
الليلة دي ما عيّطش.
رتّبت كل حاجة:
التواريخ، الخرائط، العيّنات،
وكل جملة قالها تشارلز وهو قاصدها.
الهدوء سلاح…
لما تكون خرجت من أسوأ مكان في الدنيا.
بعد 24 ساعة، كنت قاعدة ورا في عربية سوداء من غير علامات.
حدّام كان بيتخانق عشان يسمحوا له يتكلم.
ومن بين الشجر، شفت تشارلز واقف جنب الكهف،
بيضحك مع رجالة شكّلهم مستعدين يصدّقوا أي كلام.
فتحوا باب العربية.
الهوا اتغيّر.
وضحكته ماتت في نفس اللحظة.
تفتكروا بيحصل إيه…
لما الست اللي حاولت تمسحها من الدنيا
ترجع للنور؟دخلتُ الساحة وأنا مغطاة بطين الكهف، شعري ملتصق بوجهي، وعيناي لم تناما منذ ليلة كاملة.
توقّف تشارلز عن الكلام في منتصف الجملة. رأيته كما رأيته أول مرة في الكهف: رجلًا فقد السيطرة على الرواية.
قال أحد الرجال:
– «هذه هي زوجتك؟»
أجبتُ قبله، بصوت هادئ لم أعرف أنه ما زال موجودًا داخلي:
– «أنا المرأة التي أغلق عليها باب الكهف وهو يعلم أن لا إشارة هاتف هناك، وأن مستوى الأكسجين ينخفض بعد ساعتين.»
أخرجتُ الحقيبة الصغيرة التي لم أفارقها منذ خرجت حيّة.
وضعتها على غطاء السيارة، وفتحتها.
عينات الصخور…
صور الموقع قبل الدخول وبعد الإغلاق…
تسجيل صوتي له وهو يقول: "الممر هذا ما حدش يعرفه غيري"…
وخريطة مرسومة بخطه لمسار “الخروج المستحيل”.
كل شيء كان مرتبًا كما رتّب هو خطته.
قال الشريف ببرود:
– «أنتَ قلتَ لنا إن الباب انغلق بالصدفة.»
نظرتُ إلى تشارلز.
كان يحاول أن يبتسم، لكن عضلات وجهه لم تطاوعه.
قلت:
– «بالصدفة لا تُطفئ هاتف شخص وتغلق عليه الصخور وتغادر المكان وتبلغ عن فقدانه بعد ست ساعات.»
ساد الصمت.
ثم جاء الصوت الذي لم أنسَه أبدًا:
صوت القيود وهي تُغلق.
لم يصرخ.
لم يدافع.
فقط قال لي وهو يُقاد إلى السيارة:
– «ما كانش المفروض تطلعي.»
نظرتُ إليه وقلت بهدوء:
– «وأنت ما كانش المفروض تخلّيني أدخل أصلاً.»
بعد أسابيع، جاء الحكم:
محاولة قتل مع سبق الإصرار.
لم أعد إلى الكهف.
لم أعد إلى البيت.
عدتُ إلى نفسي.
غيّرتُ عملي.
غيّرتُ اسمي في الأوراق العلمية.
وحين يسألني أحدهم لماذا تركتُ الجيولوجيا الميدانية، أقول:
– «لأنني تعلّمت أن أخطر الكهوف ليست في الجبال… بل في القلوب التي نثق بها.»
وأحيانًا،
حين أسمع صمتًا طويلًا،
أتذكر صوت تنقيط الماء في سييرا نيفادا…
ثم أتنفّس،
وأبتسم،
لأنني خرجت.